جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


بنات الفيس والفايبر والواتس الحب الالكتروني الحزين


زينب المشاط
فاح الارتخاء من مسامات وجه (م. خ) وهي تظلل بكفها شاشة موبايلها الابيض الكبير. لم تكن وحدها من فعل ذلك على امتداد الطاولة الكبيرة التي جرى تشكيلها من قطعتين كي تتسع لنا نحن الاصدقاء الذين جئنا نحتفل بعيد ميلاد صديقتنا صبا في مطعم وكافتريا أروما في الجادرية.
كنا في اقصى الطابق الثاني حيث يوجد ستيج صغير عليه كيتار فاقع اللون وحوله آثار اطفال. وبما أن الساعة تواً أشارت إلى منتصف النهار فقد كنا نحدث الصخب المناسب لهذه البهجة.

صديقتي المرتخية تلك كانت على كوكب آخر تبتسم بينما نحن نغص بضحكات استذكارا لأيام شقائنا في الجامعة. في الحقيقة الكثيرات كن يسرقن اللحظات من أجل ارسال مسجات قصيرة أو التقاط صور على الصامت ونقلها بأمانة إلى الجو البعيد. ملت إلى (م. خ) وطلبت منها أن تندمج معنا لأنني أوشك أن اتعلق بخيبة من خيباتي وأبكي الذكرى. في الحقيقة كل صديقاتي الان لا يفهمن لغتي. يوجهن إلي حين أتكلم نظرات غبية وكأنني افلاطون الاصلع أو صديقه الذكي أرسطو. كل صديقاتي وقعن في اللغة المختصرة للفايبر والواتس آب بعد أن قدمن من الفيس بوك بحبيب يضع على شعره نصف كيلو من جل التثبيت بنكهة الليمون. كل العلاقات الغرامية التي تعذب صديقاتي المسكينات هي علاقات الكترونية لا تتمتع بـ (الكرنتي) فبعد خروجهن المخيب من الجامعة بات أملهن الوحيد أن يصدق الحظ معهن بما يوازي فوران الهورمونات في اجسادهن الفتية.
بنت أعرفها اسمها هالة عثرت في الفيس على شاب يحب ريال مدريد أكثر من امه وأبيه. هذا الولد لسبب ما بقي رومانسيا مؤدبا طوال ستة أشهر وهي مدة كافية لتحويل هالة إلى مجنونة ريالية. منها عرفت ان تلك الستة أشهر كان نصفها خجل وتردد وانقطاعات. قالت بانها لم تكن تشك بصدقه والسبب انه مؤدب و (ما يفشر) وكل كلامه عن كرة القدم. إلا أن الامر تغير ما أن التقيا في الحياة الواقعية فقدت أخذت التقلبات تعصف بالمدريدي إلى درجة أنه بدا شخصا مختلفا عن ذاك الالكتروني ووجدته (يفشر) ويكذب وحاول اقناعها بان الوقت حان لممارسة الجنس.
من هالة عرفت أن هجر الفيسبوك هو من أول علامات الوفاء في الحب الالكتروني ومنه يتم الانتقال إلى الفايبر أو الواتس آب لأن هذا يعني الاخلاص للحبيب في اقصى تضحية. طبعا هالة عادت نادمة إلى الفيسبوك وبدأت من جديد إلا أنها لم تعثر بعد على برشلوني مؤدب (ما يفشر).
في الحقيقة لا يوجد عمر محدد للحب الالكتروني. هناك رجال ونساء من أعمار متقدمة يبحثن عن التعويض العاطفي ولكن بطريقة كلاسيكية. امرأة تلقب نفسها بـ (قلب كسير) قالت لي بعد ان تأكدت من هويتي أنها في الخامسة والاربعين ومطلقة منذ خمس سنوات وام لطفلين وسلوتها هو الفيسبوك وقد تعرفت إلى رجال على قدر ممتاز من النضج وهي تعد هذا تعويضا عاطفيا لظلم عاشته في حياتها ولا تستحقه.
صاحبة القلب الكسير تحفظت كثيرا ولكنها قالت أن الفيسبوك عوضها كثيرا وأنها أكتشفت من خلال الاصدقاء وأغلبهم من المثقفين أن اشياء كثيرة فاتتها من الحياة.
الحقيقة ان كل العواطف الالكترونية هي تعبير جوهري عن نواقص موجودة في حياتنا الاجتماعية واليومية حيث يضيق الافق وتولد الكثير من الصعوبات كذلك لوجود مجموعة كبيرة من الاعراف المعوقة ومنها عدم القدرة على اختيار نمط الحياة المناسب.
هدى هي احدى النساء المتكيفات مع الحب والعواطف الالكترونية وترى أنها عصرية وضرورية خاصة في مجتمعنا المنغلق الذي لا يتيح لنا فرصة للتعايش في القدر الطبيعي وهي ترى أن العديد من النساء يستثمرن الفيسبوك لأغراض شتى منها العمل وأن العلاقات الانسانية أو العاطفية هي وليدة لحظات الانسان يبحث فيها عن التعويض.
وتقول هدى وهي امرأة في الثلاثين وتعمل في وزارة الصحة أنها انضمت إلى الفيسبوك منذ عام 2009 وهي طوال هذه الفترة مرت بمتغيرات كثيرة ولكنها تجد التعويض لما اسمته بتقلبات المزاج فمن المهم أن نجد اشخاصا يواسونا ويبادلونا المشاعر دون أن نتعب في البحث والتجول. وترى أن التقدم التكنلوجي خلق مفاهيم اجتماعية جديدة واستطاع ان يهز ويفتت عالمنا الشرقي المتزمت والبغيض بحسب تعبير هدى.
رقية وهي امرأة في نهاية الثلاثينيات ترى أن مواقع التواصل الاجتماعي تشبه الحياة وهي كغيرها من المجالات فيها الوجه الضاحك والوجه العبوس وعلى الانسان أن يختار الانسب والاصلح له وتعتقد أن المرأة تستطيع بغريزتها التفريق بين الجد والهزل وهي تظن أن كل الخيبات التي تحصل للنساء سببها قلة الوعي والثقافة مشيرة إلى أن بالامكان استغلال مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مثمر وسليم وهذا يعتمد على قوة الادراك والهدف الواضح.
من الخطأ الظن أن التشارك العاطفي الالكتروني يشكل خللا اخلاقيا فرجاء وهي خريجة اداب انكليزي ترى أن معرفة لغة ثانية تساعد كثيرا في التغيير وتحصيل الثقافة والخبرة وقالت إن من الخطأ التركيز على الجوانب السلبية للتواصل العاطفي الالكتروني وأن تكوين علاقات انسانية مع اشخاص بعيدين جغرافيا لا يضر ابدا وانما يحقق معرفة غنية ومثمرة.
تتعدد الحاجات العاطفية الالكترونية وهذا برأي ليلى من العوامل المهمة في تحسين الوضع النفسي خاصة واننا نعيش في بلد متخم بالمشكلات الاجتماعية وأغلب الناس تعاني من ضغوط شديدة تصل إلى درجة الكآبة المرضية.
وتضيف ليلى”العراق ليس من اكثر الدول تعاطيا مع مواقع التواصل الاجتماعي فهناك السعودية والامارات ودول عديدة تفوق العراق في هذا المجال وهي دول مستقرة سياسيا واجتماعيا وتمتاز بالرفاهية وتوجد فيها الكثير من الشذوذ بينما العراق يعد بلدا آمنا في الكثير من القضايا. وترى ليلى أن مواقع التواصل خففت كثيرا من الضغوط وهي صحية لأنها توفر مشاركة على مدار اليوم وهذا له مفعول مفيد للذين يشعرون بالوحدة والاحباط.
وتبين ليلى أن العلاقات الالكترونية غير مضرة حتى وان تخللها الاستخدام الجنسي ففي النهاية الجميع يحتاج إلى تواصل من نوع ما. وتشدد ليلى على اهمية أن يكون الشخص سليم الاختيار وبغير هذا لايمكن أن تكون التجربة ناضجة وغنية.
الكثيرون يتحفظون على التعامل الجنسي في مواقع التواصل الاجتماعي وحتى الذين يعارضون الامر يتكلمون عن مسائل اخلاقية يجب توفرها مثل الثقة والصدق والنوايا الحسنة.
في الحقيقة لا توجد نوايا حسنة في القضايا الجنسية ولكن الامر يتطلب قدرا من الجدية والانتباه خاصة في ظل وجود توافقات وتناغمات. ليلى عدت ذلك حرية شخصية وهي بكل الاحوال يجب أن تكون مشروطة وضمن قاعدة الحب الصادق. وعادت لتقول”نحن لا نقدر ابدا تجاهل الرغبات الانسانية ولكن الامر يختلف بين شخص وآخر وهذا الامر يمكن أن يحدث في الواقع ويحدث ايضا على مواقع التواصل وفي الحالتين الامر لا يرتبط بالموبايل والكومبيوتر وانما بالحاجة الحقيقية.
صديقاتي متحفظات أيضا ولكن في العموم يعتبر الاستخدام الالكتروني للتبادل العاطفي الان مسألة آمنة وذلك لنمو الوعي والقدرة على الاستعمال الامثل ويبدو من خلال التجربة ان هناك قدرا وافيا من التكيف فاذا كانت حياتنا تتطلب ثورة في الاتصالات فان الكثير من الظروف تتكيف مع هذا وبالتالي سيكون من المفيد ان نتعاطى الحب الكترونيا.
(م. خ) انفصلت تماما عنا وكأنها في علبة زجاجية ضد الاصوات. لم أكرر المحاولة معها مجددا فالكل حول الطاولة كانوا يغافلون انفسهم ويرسلون مسجات. كانوا يأخذون حصتهم من الكيك ويشربون العصائر ولكن بالهم غير موجود في أروما ولا حتى في الجادرية. حاولت تفاديا للحرج أن ارسل مسجا لأختي ولكن انتظاري طال إلى درجة مزعجة. أظن أن الكهرباء مقطوعة في بيتنا.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية