جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تابلو


بلاسم محمد... في توريات (الصمت الأحمر) سمو العُمق... تفاني الجوهر


حسن عبدالحميد     
ثمة حكمة عربية  تفيد بأن؛(الحكمة عشرة أجزاء... تسعة منها في الصمت،والعاشرة في عُزلة الناس)،في وقتٍ تُخرج أخرى لتقول؛(الصمت ليس دائماً قوة)،يُحيي هذا المدخل نبضات روح المعرض الذي الذي أقامه الفنان والأكاديمي-الناقد(بلاسم محمد)
للفترة من 18 تشرين الثانٍي ولغاية  2كانون الأول من العام/2015على قاعة الأورفلي في العاصمة الأردنيّة-عمان بعنوان(الصمت الأحمر(TheRed Silence) من خلال تعميد فكرة إستخدام اللوّن الأحمر ليس بوصفه دلالة نوعيّة راسخة تؤشر صوب الرفض والشجب والصراخ أو التحذير من المخاطر المُحدقة بنا من كل حدب وصوب،بل من زاوية فعل وديمومة هذا اللوّن المُتاخم لحالات الغليان التي تستعر بدواخلنا،والتي لا نَكفُ عن قمعها بكل السُبل والتبريرات،بعد أضحت مُتكررّة في حياتنا- إلأ بتلميعات ذلك الصمت المُضني والسلبي-ربما- كما حاول(بلاسم) تحفيز ذوائقنِابقيمة هذا المعنى في بوح كلماته القليلات التي نُسخها على بطن صفحة الغلاف الأول من صفحات دليل معرضه،بلوّن أبيض،وترك لها أن  تسبح في بحرِ فراغٍ من اللوّن الأحمر الناريّ،كما يُسمّى بلغة تعاملات أهل التصميم الفني والطباعي،ولينتهج إستعارةً قصديّة-أ مُحكمة- تشى بنسق تضليلي،يعاضد الفكرة العامة التي أبتكرها الفنان،في سياق توضيح صارم وإحتجاجي من حيث تفاني(الجوهر)وسمو(العمق)،عبر تجلياّت وعي تعبيريّ جَماليّ شديد الحساسيةّ والوضوح من جهة،وقريب من تهويمات أحلامٍ وتناسق تداعيّاتٍ حُرّة متوافدةمن جبروت سطوة ذلك السلطان المُطلّق للمخيّلة-على حدِ تعبير ماركيز-من جهة ثانية،في عموم تنويعات مِلاك (الصمت الأحمر) ل(بلاسم) المُولع بالتناظر والإختلاف مع السائد من تجارب مماثلة لنزعاته وأسلوبه المُحرّض-على الدوام- لبلوغ ثقة التفاهم والتحاور ما بين ذاته وصلاحيات عمله الفني في العبير عنها.
كان قدتنادى الراحل (شاكر حسن آل سعيد)- منذعقود خلت- من خلال مجمل مجترحات وعيه التجريبي والتنظير-معاً- بأن تقييم المنجز الفني،لايتعلق-فقط- بالحكم على إسلوب الفنان،بل يتعدى ذلك نحو تضمين قيمة الإبداع،ومن ثم تتطابق،كل ما ورد مع يُكمن وراءه من (فكر تنظيري)على الفنان أن يمتلكه،لذا ينبع يقيني بقدرات(بلاسم)في مِراس تقديم تجاربه الهاربة من سطوة التسطيح والغموض الأعمى،عبر تبني عمق تحليلاته التنظيرية الواعيّةضمن ثنائية(سيميائية التواصل)و(سيميائية الدلالة(في فتح منافذ جديدة ومبتكرة  في ثنايا البحث و مقدرات مكامنالفكر،مشفوعاً بثراء تنميته للحس النقدي الذي سار عليه بخطى متوازية ومتوازنة،والسعي  لتوسيع دائرة اهتماماته،بالوقوف إلى جانب المعرفة والتباري في كشف هواجسها  التتابعيّة على نحو علمي وعملي دقيق،وممتع في أحايين كثيرة يتلّهف فيها لتوريد حمم مشاعر وطراوة خواطر وحرارة ذكريات وتواثبات أحلام ونفحات أماني،تملأ مساحات توضيحاته اللوّنيّة ومُوجِبات تخطيطاته المُكللّة لمباهج روحه الصادحة المرحة في قُدسيّة حُبَّها العارم للحياة والجَمال،حتى في أقسى حالات التعبير عن سخطه ومواكب تمرّداته أمام مِحن عصيّة ومُعقدة تتعلّق بمصير الوطن،كتلك التي أفاض بها ضَجِراً،ملتاعاً في تخريجات حوافل معرضه (الصمت الأحمر)،كما لو كان يمتثل قلباً وعقلاً لمقولة (نيتشه)؛(ما قيمة فضيلتي... أن لم تجعل مني إنساناً عاطفياً)،من فرط ما حَفلت تلك الأعمال التي غاب في الكثير منها،اللوّن الأحمر،لكي يُباغت أثره(الفيزيقي)لصالح قيمة الفعل التحريضيّ في سياق المعادلة المُتعمّدة التي أجترحها الرّسام،بمحض إرادة عززّت من مكانة اللوّن الرابض في دواخلنا،بإزاء ما يحصل من إستجابات صمتٍ،يكاد يشبه ذلك التقليد السنويّ الذي يجري في الخامس من أيلول من عام في عموم مُدن المكسيك،إذ يحدث أن تصرخ الجمُوع المهتاجة في الساحات العامة لتك المُدن قاطبةًبكل ما تملك من قوة،ولعلها تفعل ذلك-كما يرد على لسان الشاعر-الفيلسوف (أوكتافيو باث)في كتابه الأثير(متاهة الوحدة)- كي تحسن الصمت-بعدئذ- بقية العام.
يقتفي (بلاسم)أثر خطواته التوثيقيّة بتحفيز ذاكرة مُتخمة بالكثير من التفاصيل ومترعة بفيض من التساؤلات المستترة تحت دِثار أجابات يدرك هو كهنتها،ذاكرة مُوغلة بتفهمات نوعيّة لمجمل  خواص إنتاج العملية الفنية،من حيث جدارة التصميم وبراعة الخط،ورصانة الإخراج الفني بعموميات وعي متاح،ومُجرّب،بل قادر على الدفاع عن وجوه الجَمالي والدلالي،خاصة إذا ما إعدنا نغمات أسطوانة؛أن الجمُال-دائماُ- بحاجة إلى حقيقية تؤكدوجوده،فضلاً عن تبنيه لدوافع وقناعات مثقلة بفهم وهضم جملة من خسارات مُتكررة في خواص وأطاليس التشكيل العراقي من حيث جدارة التشكيك بشرعيّة حداثة وعيها،وملابسات تكبّلها بالسائد وتثاؤبات المألوف،وعدم الإنعتاق من قيود الأساليب السانحة للكثير من الأسماء الفنيّة ومن مختلف الأجيال التي تسنى ل(بلاسم)رصدها من خلال عمله مديراً فنياّ في أهم الصحف والمجلات العراقيّة في الداخل والخارج،ومن ثم فحصها ودراستها من خلال تدريسه في أكاديمية الفنون لسنوات عديدة،وهذا ما أعطى نسقاً نقدياً مستداماً لذائقته وحذراً يقظاً لطبيعة لوامسه،وتجاذابات حدوسه،وذخائر موهبته بشقيها وسوانحها التي ذكرنا.
هنا...نخلص بالقول بأن(بلاسم)-بعد معارض شخصيّة كثيرة ومشاركات في أمريكا وأوربا  وبعض البلد العربيّة-لم يعد مخلصاً-بشكل عاطفي محض،على الأقل- للعقيدة التي توارثها في نسج خيال تجربته في الرسم وملحقاته المتعلقة بكيفيات إنتاج تلك العمليّات المجاورة له(تصميم/خط/ طباعة)،تلك التجربةالتي سارت بتفحص وروية ونشوة هدوء  يشي بعدم الإنسياق وراء مطبات تحديثيّة ليس من طائل منها سوى ملامسة أثير الصدى وتوابع التكرار و الإجترار،دون الظفر بلذة الجوهر،التي تفصل الفِطرة وأحادية الإعتماد على مَلكة الموهبة عن عالم العلم وخصوصيات التناول المنهجي في تغطيّة دعائم الفكر،ربما،بالقصد الذي يفوّض للسيمياء-مثلاً-ترجمة تطلعات العلم الذي ينسق بقيةالعلوم الأخرى،ويتوق لدراسةالأشياءوفهم خصائصهافي توظيف العلامة،ومن ثم فأن (السيميائيات)-كما هو معروف-تعدالآلة الأساسيّة لكل العلوم،أي بمعنى آخرهي(علم العلوم)،كون العلوم مجتمعةً-وبلا إستثناء- لا يمكن لها الإستغناء عن إستعمال العلامة،من أجل أن تظهر نتائجما نحصل عليه طبقاً لتك العلامات.
لم تكن محميّات ومختصرات ما نَتج عن بلاغة (الصمت الأحمر) بمعزل عن تنويعات(بلاسم محمد جسام) وتعليلاته الوجدانيّة بإزاء موقف وطني وحضاري،فهو ما فتىء يكابد من أجل إعلان الرفض والشجب،عبر خلاصات ذهنية لوجوه وشخوص وطيور وطواويس وأقنعة سأمها الصمت،وسدّ أبواب عقيرتها هول ما يحدث من تصاعدات ضجيج وحمى وهوس وتعطيل حواس،زهقت تتحنّط بوثوب لوعة،وجسارة جروح غائرة في ثنايا أرواح أبطال لوحاته،وهم يحييون وينادون في أتون فراغات تعبيريّة ساندة لتلك المشاهد الدرامية التي تحادد لغة السينما وتقابلات عالم الأسطورة والخيال العلمي بأجواءه-أحياناً-،والخيال المطلق والذي هو أعظم نعمة يملكها الإنسان،في متن قدرته على تهيئة الواقع لكي يصبح فناً،بمحق ومحو الغرائبي منه،لكي لا يبقى من ذلك الواقع سوى أرض القصة التي دارت عليها الأحدات،كم جاء يقص علينا (بلاسم)ذلك عبر إبلاغات صمته الأحمر،بالوهج التعبيريّ والقصد الرمزي،وسمو العمق وبهاء ذلك الوجع العاطفي،فالفن-أخيراً-ومن وجه نظر(كاندنسكي) لا يخرج من الرأس -فقط-ونحن لا نعرف تصويراً عظيماً خرج من القلب وحده،بل،كما يُكمل ويضيف؛(عموماً فالتوازن بين الرأس-لحظة الإدراك والوعي- والقلب-لحظة اللاوعي والحدس،هو قانون جميع أشكال الخَلق)،ولعل بإستطاعتنا أن نقول بأن ذلك(القانون) قديم جداً وبقِدم الإنسان نفسه.



: المشاركة التالية