جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


نساء خلَّدهن الفن


ترجمة و إعداد:تاتو
تظل بعض اللوحات الفنية على مر الزمن مقترنة بأسماء رسّاميها و علامة بارزة على موهبتهم العظيمة. و هناك بالمثل نساء خلّدهن هؤلاء الفنّانون في لوحة إبداعية واحدة، و ما كان ليذكرهن التاريخ لولا ذلك، بصرف النظر عن مكانتهن الرفيعة أو الوضيعة في الدولة أو في المجتمع آنذاك، و سواء عُرِفن بأسمائهن أو لم يُعرفن على الإطلاق، كما هي الحال مع امرأة اللوحة المشهورة لدينا هنا في العراق و المعروفة ببنت المعيدي أو شيء من هذا القبيل.
كما أن شخصية المونا ليزا Mona Lisa ، و هي أشهر مَن خلَّدها الرسّامون العالميون على الإطلاق، ما تزال موضع التخمين . فمعظم الناس يعرفون أن الفنان الذي رسمها هو ليوناردو دا فنشي، لكن هوية المرأة ما تزال سراً بالنسبة لكثيرين. بل هناك مَن يقول إن السيدة في اللوحة هي ليوناردو دا فنشي نفسه، في شكلٍ أنثوي! و على كل حال، فإن النظرية المقبولة على نحوٍ أكثر شيوعاً أن المرأة ذات الابتسامة الغامضة هي ليزا غيرارديني، زوجة فرانسيسكو دي بارتولوميو ــ الرجل الذي يمكن أن يكون قد كلّف الفنان بعمل اللوحة. و الإيطاليون يعرفون السيدة إلى يومنا هذا بأنها الجيوكوندا، و كانت في سن الـ 24 عاماً و أماً لإبنين آنذاك. أما بالنسبة للفرنسيين، فهي جوكوند، و تعني في الترجمة حرفياً المرأة الظريفة أو اللعوب. و قد تعرضت اللوحة لعدة عمليات سرقة، كما هو معروف، و هي تستقر اليوم في متحف اللوفر بباريس، في بيئة مناخية مراقَبة و خلف زجاج مضاد للرصاص، في غرفة بُنيت خصيصاً لها و كلَّفت المتحف سبعة ملايين دولار!
و هناك أيضاً “ مونا ليزا “ شهيرة أخرى، و تُعرف بـ “ مونا ليزا الشمال “ أو “ مونا ليزا الهولندية “، و هي إحدى تحف  الفنان الهولندي جوهانيز فيرمير، ( فتاة ذات قرط لؤلؤي ). التي يستخدم فيها قرطاً من الؤلؤ كنقطة بؤرية في الصورة. و هي ليست صورة  portrait و إنما دراسة لرأس امرأة. و كما هي الحال مع جميع لوحات فيرمير، فإن الموضوع بالنسبة لهذه اللوحة أبضاً لم يتم تأكيده أبداً. و على أية حال، فإن المذكور تكراراً هو أن الموديل للوحة ( فتاة ذات قرط لؤلؤي ) كانت ابنة فيرمير الكبرى ماريا، و يقال أيضاً إنها ابنة نصيره بيتر فان روجفين. أما الفكرة القائلة بأن فيرمير ارتبط بآنسة باعتبارها الجليسة، فقد دخلت الأدب القصصي الحديث، ( رواية ترَيسي شيفالييه التاريخية بالاسم نفسه )، و لو أنه ليس هناك من دليل تاريخي يؤيد هذه الفكرة.   
و من هؤلاء النسوة المخلَّدات في اللوحات الفنية أيضاً فيرجيني غوترو Virginie Gautreau، و هي حسناء مجتمع شهيرة و زوجة مصرفي فرنسي، و قد وافقت على طلب الفنان جون سنجر سارجنت أن تكون موديلاً للوحته غير العادية ( مدام أكس ). و كان قد رسمها في أول عهده بهذا الفن مبتغياً أن تُكسبه الشهرة، و قد فعلت، لكن ليس بالطريقة التي كان قد تخيّلها. فقد اختار سارجنت بعناية وضعاً معيناً لموديله، حيث يتوجه جسمها بجرأة إلى أمام، بينما يلتف رأسها جانبياً ــ و هو وضعٌ يعبّر عن الجزم و التقهقر معاً. و حين اكتملت اللوحة و عرضها الفنان في صالون باريس في عام 1884، أحدثت فضيحةً ثقافية متطايرة. فقد صُدِم الجمهور لردائها المنخفض، و مكياجها الأبيض بياضَ الموتى، و اغتاظ لحقيقة أن أحد شريطي ردائها كان ينزاح عن كتفها ــ و هي علامة مؤكدة على عدم الاحتشام آنذاك. و قد جعلت الفضيحة فيرجيني تنسحب من المجتمع و أعاد سارجنت رسم شريط الكتف حالما انتهى المعرض. و قد غادر باريس سريعاً بعد الفضيحة، لكنه حافظ على القول بأن الصورة كانت أروع شيءٍ رسمه. و قد باع اللوحة إلى المتحف الميتروبولي في عام 1916.
و هناك لوحة للفنان الهولندي الشهير فنسنت فان كوخ بيعت في عام 2006 بمبلغ 40 مليون دولار، و هي واحدة من خمس لوحات كان قد رسمها الفنان إكراماً لصديقه الفنان بول غوغان. و اللوحة هي الأرلزية ( مدام غينو Ginoux ). و مدام غينو امرأة محلية من أرلز كانت متزوجة من جوزيف ــ ميتشِل غينو و تملك مقهى دي لا غير، حيث كان الفنانان يترددان خلال مكوثهما في أرلز، و هي الفترة التي قطع فيها فان كوخ أذنه. و قد رسم فان كوخ اللوحة في فترة من الكآبة السوداوية الشديدة بالنسبة للفنان، حين انتهت علاقته بصديقه الفنان غوغان و وُضع في مشفى للأمراض العقلية. و في التصوير النهائي لمدام غينو، تحول فان كوخ عن الشكل الأكثر حيويةً الخاص به في التخطيط و اتخذ طريقة كانت أقرب إلى أسلوب غوغان. و في يوم 17 حزيران 1890، كتب فان كوخ عن عمله إلى غوغان قائلاً : “ إنه عمل تركيبي للأرلزية، إذا أحببتَ؛ و حيث أن تركيبات الأرلزية نادرة، خذ هذا باعتباره عملاً يخصك و يخصني كخلاصة لتلك الأشهر من اشتغالنا معاً “.
و تصوّر لوحة لسلفادور دالي، ( صورة غالا )، زوجته، و ملهمته و المرأة التي كان يدعوها وكيلته agent بين العبقرية و العالم الواقعي، غالا دالي. و كان هيامه الكلي بها، و هي تكبره بعشر سنوات، واضحاً في لوحاته في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي حيث ابتدأ يوقّع على لوحاته باسميهما معاً. و قد اشتُهر دالي بكونه غير نظامي و منفلتاً في أموره الخاصة و ذكر أن غالا هي التي كانت قد أنقذته من الجنون و من موت مبكر في تلك الأيام. و على كل حال، فإن علاقتهما في السنوات اللاحقة اتسمت بالمرارة بسبب علاقات غالا العديدة خارج الحياة الزوجية التي أدت إلى فقدانها الانتباه إلى دالي غير المستقر و الفاقد للثقة بالنفس. و لهذا راحت لوحات دالي اللاحقة تصور غالا في عتمة و ضوءٍ يشوبه الضباب.
أما بابلو بيكاسو، فقد كان هو و هنرييت ثيودورا ماركوفيتش، و اسمها المستعار دورا مار Dora Maar، متّصلين معاً لعقدٍ من الزمن خلال الثلاثينيات و الأربعينيات من القرن الماضي. و كانت هذه المصورة، الشاعرة و الرسامة الفرنسية الجميلة على نحوٍ ساحر، تُعرف آنذك بكونها ملهمة بيكاسو الخاصة، و موديله، و صاحبته، و شريكته الفكرية. و كانت علاقتهما همجية، و عاصفة، و غير ملائمة. و قد عانت مار إلى حدٍ كبير من اهتزازات بيكاسو المزاجية لكن حبها له كان من دون قيدٍ أو شرط. و بيكاسو، الذي عُرف بالآلام التي يسببها لعشيقاته، غالباً ما كان يرسم و يصور مار في أشكال غريبة مرعبة. و كانت مار تنكر في الغالب حب بيكاسو الأثيري لها بقولها “ إن جميع صوره لي أكاذيب. فكلها بيكاسو. و لا واحدة منها دورا مار “. و على كل حال، فإن سلسلة لوحاته التي رسمها لها هي أكثر لوحات بيكاسو تقديراً اليوم. و كانت واحدة من صورها هذه هي التي حطمت الأرقام القياسية في حينها، فقد بيعت ( دورا مار و القط ) بأقصى سعر اختُتم به المزاد،95,216,000  دولار، إلى شخصٍ غامض طلبها، جاعلاً منها بذلك واحدةً من أغلى اللوحات المباعة على الإطلاق.
عن / Culturazzi



المشاركة السابقة : المشاركة التالية