جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » ثقافات


الكاتبة الأرجنتينية ماريا شوا:نحن الكتّاب مصَّاصو دماء الحياة اليومية!


ترجمة: عادل العامل
حين كانت الكاتبة الأرجنتينية البارزة آنا ماريا شوا Shua تنهي قراءة كل قطعة لها بلغتها الأسبانية في ملتقى بجامعة ويسكونسين ميلوكي مؤخراً، كانت هناك أستاذة مساعدة تتبعها بالترجمة إلى الانكليزية. و كانت قصصاً سريعة، و تنطوي على رسائل ذات علاقة، و غالباً ما تكون فكاهية بقدر ما يُعتقد أنها تحريضية أيضاً.
و قد علّقت شوا على ذلك، وفقاً لأندرو مَيكين كاتب هذا المقال، قائلةً : " إننا نحن الكتّاب أشبه بمصّاصي دماء الحياة. نمضي حيثما كان لنمتص كل شيء من الحياة و نحن نستمع إلى الطريقة التي يتكلم بها الناس، لنستنسخها و نستخدم كل هذه المعلومات لكتابة قصة ".
و قد نُشرت قصص شوا و أشعارها و مجموعاتها المختلفة بلغات متعددة في مختلف أنحاء العالم. و اجتمع للاستماع إليها حشد من الطلبة و الأساتذة و موظفي الكلية و غيرهم في صالة المؤتمرات في الطابق الرابع من غولدا مير. و بدأ سيزار فيريرا أستاذ الأدب الأميركي اللاتيني بالقول " إن آنا ماريا شوا هي مؤلفة أكثر من 80 كتاباً في الشعر، و القصة القصيرة، و القصة القصيرة جداً ". و كانت شوا قد اتخذت مقعداً لها إلى جنب الأستاذة المساعدة ليه ليون التي استقبلتها بقبلة على خديها.
و قد سبق ذلك أن كان الطلبة و الطالبات يحومون مثل الفراشات داخلين خارجين تضيئهم أنوار المبنى الباهتة. و كان النشاط خافتاً في الصالة، لكنه يتّسم بالإثارة. و لم يكن الكثير من الحاضرين قد سمعوا بها من قبل و لم يكونوا يعرفون ما الذي يتوقعونه  منها. و كان آخرون، كما كانت تشي بذلك نتف من الكلام هنا و هناك، أكثر  معرفة بالمؤلفة و متشوقين لوصولها.
و بينما كانت التحضيرات النهائية تجري، دخلت امرأة صغيرة من باب مزدوج. كانت صغيرة و سمراء، ذات شعر مجعّد و عينين بنّيتين راحتا تمسحان الغرفة بهدوء. و صفّق لها واحد أو اثنان بتردد. أما الآخرون، فقد تطلّعوا، و راحوا يحضّرون أوراقهم و متعلقاتهم الأخرى. و بشيٍ من التنبيه و جعجعةٍ أقل، كانت آنا ماريا شوا قد احتلت مكانها.
ولدت شوا لأسرة يهودية في بوينس آيريس، حيث دخلت الجامعة و نالت درجة الماجستير في الأدب. و خلال الاضطراب السياسي في عام 1976 الذي أعقب موت الرئيس خوان بيرون، نُفيت شوا، التي كانت صحافية آنذاك، إلى فرنسا. و عند عودتها في عام 1981، نشرت كتابها (Patient)، أول رواية لها. و بعدها بأربع سنوات، نشرت مجموعتها من القصص القصيرة جداً. و بموجب نجاحها المستمر في هذا النوع القصصي، اكتسبت شوا لقب " ملكة القصة القصيرة جداً " وسط جمهورها الناطق بالأسبانية. و مع تقدم الأمسية الأدبية الآنفة الذكر، أصبح واضحاً للحاضرين السبب في ذلك.
ففي قصة لها بعنوان " المذؤوب Werewolf "، تصف هذا الوحش بتفصيل مألوف، ذاكرةً مخالبه و أسنانه و قسوته. غير أن مألوفية القصة القصيرة جداً هذه تتخذ انعطافاً غير متوقع مع السطر الأخير من القصة : " فالمذؤوب مفزع. و هكذا طبيب الأسنان "!
و لم تحدد شوا أي جواب حين سُئلت مِن أين يأتي إلهامها أو ما الذي يؤثّر على كتابتها. و غالباً ما كانت تبيّن أنها هي نفسها غير عارفة من أين تأتي فِكَرها، أو ما الذي يغذّي خيالها. فهي تستمد مادتها من الحياة اليومية، تاركةً عناصر الواقع تملي عليها ما تسجل على الورق.
و لو سألتَ ألف كاتب مِن أي تأتيه فِكَره، لحصلتَ ربما على ألف جواب مختلف. فقد يكون لكاتبٍ إلهامه الفني الخاص به بينما يستمد غيره خياله و موضوعاته من تجربة شخصية. و يبدو أن شوا تستمد ذلك من الناس و الأماكن التي تحيط نفسها بها.
و قد قال رجل أرجنتيني من الحاضرين، معلّقاً على إحدى قصص شوا، إنه يميّز الكلام الذي تضعه شوا على لسان الشخصية، التعابير التي تستعملها هي. و قد ذكّره ذلك بالوطن.
و بالرغم من شهرة شوا، فإنها تتحرج كثيراً من المديح المباشر، و تعزو الفضل في ذلك للرجال و النساء الذين يترجمون نتاجها، و تعرب عن شكرها للأستاذة المساعدة ليه ليون على دورها في تقديمها. و بمجرد أن خفتت ضجة دخولها القاعة، لم تكن ملاحظاتها القاطعة بأقل تواضعاً.
فحين قال لها أحد الحاضرين : " لقد ألَّفتِ في حياتك القصيرة 80 كتاباً "، قالت : " إنني أبلغ الآن 63 عاماً، و لهذا فحياتي ليست قصيرة هكذا ".
و قال آخر : " إنك سيدة القصة القصيرة جداً "، فقالت : " هكذا يقولون "!
*
و من قصص شوا القصيرة جداً هذه :

بروميثيوس السيرك (1)
فن أم تسلية؟ إذا كان النسر ينقر عميقاً في كبد بروميثيوس، هل ذلك فن أم تسلية؟
إنه فن إذا كان دماً ذلك الذي يصبغ منقارالطائر، إذا كان دماً ذلك الذي يتدفق من الجسم، إذا كان دماً ذلك الذي يلوّن بالأحمر الصخور التي قُيِّد إليها الرجل. لكن إذا كان ذلك مزيجاً من الغليسرين و الصَّلصة، فهو مجرد تسلية، سيرك كبير. و بطبيعة الحال، هناك أولئك الذين يرون العكس تماماً.
و الآن، فما دمنا لا يمكننا اختبار ذلك عن بُعد، فما عليك إلا أن تستمتع بالمشهد. و هناك عَرض كهذا في كل يوم.
ــــــــــــــــــــــــــ
(1)بروميثيوس في الميثولوجيا الأغريقية هو الذي سرق النار من الآلهة و أعطاها للبشر فعاقبه كبير الآلهة زيوس بأن قيده إلى صخرة وسلط عليه نسراً جارحا ينهش كبده كل يوم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية