جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » ثقافات


شُّطَّار بغداد و أشرارها .. أيام زمان !


عادل العامل
الشطّار نوع من لصوص المدن و الأرياف و فُتَّاكها ، و قد عُرِفوا بالشطّار، و بالعيَّارين، و بالفتيان ، الذين شكلوا شريحة مميَّزة من المجتمع في العصر العباسي ، لها تقاليدها و تنظيماتها و قياداتها و مشاهيرها ، و هم أشبه في سلوكهم الاجتماعي بصعاليك العرب ، من ناحية ، و بشقاوات بغداد في النصف الأول من القرن الماضي ، من ناحية أخرى .
و بالرغم من أنهم كانوا معروفين بالفتك و السرقة و النهب و جناياتٍ أُخَرى، فقد كان لهم أحياناً حضورهم السياسي و مشاركاتهم الفعالة و مواقفهم الجريئة في الانتفاضات الشعبية و الحروب الأهلية ، كالنزاع الدموي على السلطة بين الأمين و المأمون، و المستعين و المعتز، و غيرهم من خلفاء بني العبّاس، إضافةً لمشاركاتهم الجريئة في في التصدي لقوات الغزو الخارجي. و كانوا مضرب الأمثال في الشجاعة و الإقدام ، يدفعهم إلى ذلك بؤس أحوالهم المعيشية وخروجهم على الضوابط الاجتماعية و نقمتهم على كل ما هو جائر و عدواني من سلوك الحكّام و الغزاة. و قد أصبحت لهم مكانة و سطوة في الدولة، و صار لهم قوّاد و أمراء " كالملقَّب بنينيويه، و خالويه، و غيرهما، يركب الواحد منهم على واحد من العيّارين و يسير إلى الحرب في خمسين ألفٍ عُراة ... "، كما يقول المسعودي.
و يصف أبو يعقوب الخريمي الحالة في بغداد و هيمنة العيّارين و بسالتهم في إحدى تلك الأزمات المتكررة، بقوله من جملة أبيات :

الكرخُ أسواقُـــــهُ معطَّلــــةٌ
يستنُّ عيَّـــــــارّها و عابرَها
خرَّجتِ الحــربُ مِن أراذلِهم
أُسودَ غيـــلٍ عَلَت قَساورَها

و يُذكّرنا هذا بـ " الحواسم "، و بالميليشيات و المسلّحين، و ما حصل لأهل بغداد و غيرها على أيديهم من شرور قبل سنوات قريبة أيّامَ الفتنة الطائفية البغيضة، و إن كان هؤلاء أسوأ خُلُقاً، و أحطَّ سلوكاً، و أبشع إجراماً من أشرار تلك العصور!
و يمكننا التعرف على شيء من التقاليد و المباديء الأخلاقية الخاصة بهؤلاء الشطَّار و العيّارين من خلال ما أوصاهم به ذات يومٍ أحد زعمائهم المشهورين ، و هو عثمان الخيَّاط ، حيث قال : " إضمنوا لي ثلاثاً أضمن لكم السلامة : ألاَّ تسرقوا الجيران و اتَّقوا الحُرَم و لا تكونوا أكثر من شريكٍ مناصف ، و إن كنتم أولى بما في أيديهم ( أي الفاسدين من الناس ) لكِِِذبهم و غشهم و تركهم إخراجَ الزكاة و جحودهم الودائع ( أي إنكارهم أمانات الناس لديهم ) "!
و مما يروى عن صلابتهم و قدرتهم على تحمل الأذى ما ذكره شاهد عيان، قال : رأيتُ شاطراً يضربه الجلاّد بحبلٍ غليظ ، و هو ينظر إلى الأرض ، فلما بلغ الضربُ مئةً ، قال له الوالي : إرفعْ رأسك ، فقال : يا سيدي ، بقيَ رأسُها . قال : و ما معنى بقيَ رأسها ؟ قال الجلاّد : كنتُ أضربه و هو يرسم برجله في الأرض بطة و قد بقيَ رأسها !
و قد عُرِف هؤلاء الشطَّار أيضاً بالظَرف و المواقف الطريفة و الكلام المستملَح ، كقول هذا الشاطر مفتخراً : أنا الموج الكدِر ، أنا القفل العسِر ، هذا وجهي إلى الآخرة ، تأمر بشيء ؟ لكَ حاجة إلى مالك خازن النار ؟ أنا النار ، أنا العار ، أنا الرَّحا إذا دار ، أنا مشيتُ سُبُوعين بلا راس ، لولا أني عليل لنَخرتُ نخرةً نصفُها صاعقة و نصفها زلزلة ... !
و من مفاخراتهم أيضاً قول أحدهم، و كان يُدعى صحناة، لزملاءٍ له في التشطّر و الفتوّة،  و هم حرملة، و غزون، و طفشيّة، و في كلامهم ما يحتاج المرء لفهمه إلى علاّمة في اللغة أو مفسّرٍ من أهل ذلك العصر:
" والَ امّكَ، لو تراني، ضبعوني في عينك، يا ابنَ العلاّمة. أنا هامان، أنا فرعون، أنا عاد، أنا الشيطان الأقلف، أنا الدبّ الأكشف، أنا البغل الحَرون، أنا الحرب الزبون، أنا الجمل الهائج، أنا الكركدن المعالج، أنا الفيل المغتلم، أنا الدهر المصطلم، أنا سرداب التضريب، أنا بوق الحرب، أنا طبل الشغب، محبوسٌ شرقي غربي، مضربٌ قائم نائم، مبطوط الإليَتين، معطَّل الدفّتين، أبلعُ أسنّة أخرى جواشن، لو ضربَ ربكَ عنقي ما متُّ بعد سنة ...  فقال له حرملة : يا ابنَ الصفعان، أنا حُبستُ في أجمة، أكلتُ ما فيها من السباع، و جعلتُ الحشيش نُقلي، أنا طوف الله الجائح في بحر قلزم. لو كلمني رجل يعثر بسباله لعقدتُ شعرَ أنفه إلى شَعر استه، يا به القنفذ .. أنا أسستُ الشطارة، أنا بوَّبتُ العيارة. يا بن الزارعة الفارشة الهارشة القلّاشة النفّاشة. مَن يتكلم؟ قولوا ... " ( إلى آخره )!


المصادر :
1.مروج الذهب / المسعودي
2.محاضرات الأدباء / الراغب الأصفهاني
3.نثر الدر / الآبي



المشاركة السابقة : المشاركة التالية