جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


ستار كاووش:نحن أول من قدم الحضارة والفن الى العالم لكننا لسنا قادرين على صناعة قماش صالح للرسم


حاوره/ علاء المفرجي
. تصور في مرات عديدة نذهب في سفرات مع أستاذنا فائق حسن لرسم الطبيعة ، حينها يذهب الجميع في الصباح للبحث عن مناظر للرسم وأبقى أنا الوحيد أرسم واجهة الفندق الذي نسكن فيه..
هكذا يلخص الفنان التشكيلي ستار كاووش في حوار اجراه معه القسم الثقافي في المدى انصرافه -خلافا للكثير من مجايليه- عن رسم الطبيعة.. بل انه يهب الى ابعد من ذلك حين يرى ان لا احد استطاع أن يرسم منظرا طبيعيا في المائة سنة الأخيرة يتجاوز به الإنطباعيين..
ويضيف: نحن لدينا فنانون كبار لكن من سيقيم الأعمال التي يقدمها هؤلاء الفنانون واين ستعرض ومن سيقتنيها وكيف سنحافظ عليها كي تطلع عليهاالأجيال القادمة.
* نبدأ من ( سيقان وأرصفة ) معرضك في قاعة التحرير عام 1987 ، الذي كان حدثا ثقافيا مهما بشر بولادة فنان مجدد.. ما الذي يمثله هذا المعرض- الحدث تحديدا في مسيرتك الإبداعية  - دائما ما أقول بأن السينما والشعر أثرا تأثيرا كبيرا على طريقتي في رؤية الأشياء ، وبالنسبة لهذا لمعرض كانت هناك أشياء كثيرة مزدحمة في رأسي أردت أن أقولها . كان تلفزيون بغداد حينها قد عرض فيلما يبدو كأنه ليس مهما أو كبيرا ، لكنه أثر علي بشكل كبير وأصبحت أنظر الى الأشياء بعين الكاميرا التي صورت الفيلم، لقد شاهدت الفيلم وحدي في وقت متأخر من الليل ، كان فيلم تشويق وهناك ممثل لا يظهر منه سوى حذائه أو جزمته طوال الفيلم ، يقوم بأعمال سرقة وإثارة ولا نشاهد غير جزمته ، هنا برأيي تكمن عبقرية السينما ( الجزء يعوض عن الكل ) بعد الفيلم مباشرة أخذت أنظر الى الناس أو الأشخاص الذين حولي من خلال مقاطع أو أجزاء منهم ، فحين يضع شخص ما ساقا على ساق ويتصفح جريدة أراقب وضعية ساقيه وحين يتحدث الى شخص آخر تختلف الحركة ، كنت أتابع حركة الأيدي والأصابع وهي تقبض على السيجارة ، أنظر الى الجزء الظاهر من الجوارب وكأنه لطخة فرشاة وسط لوحة معتمة. هذه كانت الخطوة الأولى لتحقيق لوحات من هذا النوع ، وكي تكتمل دهشتي فقد قرأت مقطعا شعريا وأنا أتصفح إحدى المجلات بالمصادفة ، كان المقطع للشاعر ( أوكتافيو باث ) ويقول فيه ( الريشة عصفور حي يرزق ) فقلت مع نفسي وقد جنني الاختزال في هذا المقطع ، يا إلهي هذه الريشة هي الجزمة التي شاهدتها في الفيلم ، ولم يكن هناك مجالا للتوقف ، يجب أن أبحث عن قماشات صالحة للرسم وأدفع مغامرتي الى أقصاها ، وهكذا أقيم المعرض في قاعة التحرير ، كانت مفاجئة للجمهور في الافتتاح حيث كانت كل اللوحات تقريبا عبارة عن مقاطع تظهر فيها فقط الأحذية والأرجل والسيقان على أرصفة مغسولة توا بفعل المطر . إذن السينما والشعر ياصديقي هما المحرك الأساسي لمعرض سيقان وأرصفة وأعتبر المتابعين حينها بأن هناك شيئا جديدا في المعرض لشاب في بداياته ، حتى أن الرسام رسول علوان كان ينتظرني ليومين متتالين في القاعة ليقول لي بعدها ( أن هذا المعرض هو أول معرض للوحات تعبيرية أشاهده في العراق ) على حد تعبيره طبعا وهو الذي درس التعبيرية في ألمانيا على يد أحد مؤسسيها وهو الفنان ( كارل شميدت روتلوف ) بعدها توطدت صداقة كبيرة بيننا رغم أني كنت في العشرينات من عمري وهو في الستينات . إضافة الى ذلك كانت هناك نوع من الدعابة  تطغي على تلك اللوحات لهذا لم أستغرب في الإفتتاح حين كانت إحدى الزائرات تحث صديقتها للخروج من المعرض وهي تقول لها ( أعتقد بأن الرسام يعمل في مصنع للأحذية ) .
* بعد معرضك الثاني (جسد المدينة ) وترسخ تجربتك الفنية، اجمع النقاد والمهتمون بالتشكيل العراقي إنهم إزاء تجربة فنية مغايرة ومختلفة..هل المغايرة لديك هي في التحرر من سطوة المحاكاة والتقليد التي أسرت بعض فناني جيلك ، ام هي رهان على الخلق والابتكار؟
- الفن في رأيي أن تنظر الى الأشياء من زاوية مختلفة تماما، فلوحات معرض (جسد المدينة) مثلا كانت كبيرة تتجاوز المترين وهناك لوحة الرصيف كان إرتفاعها 80 سم وعرضها عشرة أمتار ، تصور لوحة بعشرة أمتار ، كأنك هنا تمسك بكاميرا سينمائية وتصور رصيفا مليئا بالسيقان والنفايات وبائعي الرصيف وحقائب الإنتظار . أعتقد أنه يمكن لرسام ما أن يرسم لوحات جميلة ، لكن هل يكفي ذلك ؟ أين التمرد والمغامرة ؟ لقد تقصدت في هذا المعرض أن ألصق فوق اللوحات قمصاني وقفازاتي وجواربي وحتى علبة سجائري الفارغة ، ألبست كل هذه الأشياء للشخصيات المرسومة فوق القماشات ، أردتهم أن يتنفسوا نفس الهواء ويتحسسوا الأشياء كما تحسستها ، أردت أن أقول وقتها بأن هذه الشخصيات الغريبة هي جزء مني ، وهي كذلك بالتأكيد . في إفتتاح المعرض دخل الفنان إسماعيل فتاح ، وبعد أن تجول في المعرض سألني ( ستار هل تستطيع أن تقدم أفضل من هذا المعرض في المستقبل ) هذا سؤال صادم لرسام في الثامنة والعشرين من عمره ، في حين علق الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا على المعرض قائلا ( ستار يذكرني برسامي الكهوف حين كانوا يرسمون الحيوانات للسيطرة عليها وإمتلاكها ) ثم قال مازحا ( حين تمتلك سيارة جميلة ستتوقف عن رسم السيارت ) . بالتأكيد أنت هنا تراهن لتقديم شيئا من إبتكارك وتبتعد أقصى ما يكون عن المحاكاة والتقليد وهذا برأيي ينطبق على كل شيء في حياتنا تقريبا وليس الفن وحده ، ألم يقل أبولينير ( حتى حين أراد الإنسان أن يحاكي السير على الأقدام ، إبتكر العجلة التي لا تشبه الساق في شيء ) . وتبقى اللوحة في النهاية عبارة عن خدعة بصرية فيها جمال ودهشة وتفرد ، نحسها وتؤثر علينا بدون وجود أجوبة محددة لذلك ، العملية أشبه بغناء عصافير ، لم نفهم ماذا تقول أو لماذا ولكننا نتمتع بذلك الى حدود الدهشة .
* المتابع لمسيرتك الإبداعية لايخطئ انشغالك بالتجريب، الذي يتخطى عندك حدود الشكل والموضوع إلى استخدام تقنيات وتفاصيل لصياغة عملك الفني ، مساحة اللوحة، الأدوات المستخدمة بالعمل ، الاحتفاء المتفرد باللون.. وغيرها .. كيف تقرأ لنا ذلك؟
- حين يمتلك الفنان أدواته يجب أن يفتح نافذة جديدة بحثا عن أشياء أكثر دهشة وأبتكار ، وبشكل شخصي أبحث عن أشكال تلائم مخيلتي وتقنياتي دائما ، ليس على صعيد الشكل والمضمون داخل اللوحة فقط ، بل يتعدى ذلك للشكل الخارجي للعمل الفني وما يحيط به . ذات مرة دخلت على أحد محلات الموبيليات والأثاث في مدينتي التي أعيش فيها وصدمني وجود طاولات خشبية دائرية صغيرة الحجوم قطرها 50 سم ، إلتمعت فكرة في رأسي فإشتريت عشر طاولات ، ظن صاحب المحل بأني سوف أفتح مطعما أو مقهى صغير فقلت له بأني أحتاجها لغرض آخر. عدت معها الى مرسمي مسرعا وتخلصت من سيقانها ودعكتها بأداة خاصة كي تبدو أكثر نعومة ولونتها بلون أساسي كي تكون صالحة للرسم وبدأت العمل، وهكذا حصلت على سلسلة من عشر لوحات دائرية . برأيي أن كل شيء تقريبا صالحا للرسم عليه ، ومع كل هذه الخيارات يجب عليك كرسام أن تختار السطوح التي تتناسب مع تقنياتك وأدواتك وأفكارك . ومثلما إستخدمت في معارض سابقة قطع قماش وقصاصات ورق وكولاجات أخرى على سطوح اللوحات فأنا الآن أضع طبقات من اللون الواحدة فوق الأخرى للوصول الى المناخ الذي أبحث عنه . أو أن تخرج بعض الأجزاء من الشخصيات المرسومة خارج إطار اللوحة وكأنها تحاور زائري المعرض ، مثل السيارة التي عرضتها في آخر معارضي في بغدا 1993 في قاعة الرواق والتي صنعتها بالحجم الطبيعي من الخشب ولونتها كأنها لوحة زيتية ومعها إشارة مرور صنعتها من الخشب أيضا أو لوحة ( وداع الصيف ) فيما بعد حيث تبدو المرأة وكأنها تريد أن تخرج من النافذة المفتوحة .
* انصرافك عن الطبيعة ، أنت الذي قلت مرة :( لقد ماتت الطبيعة منذ مائة عام في الرسم).. إلى حيث صخب المدينة المكتظ بالتفاصيل، الشارع، المقهى، الباص، الأرصفة .. الخ .. درجة ترى فيها السيارة أجمل من الشجرة.. إلى ماذا تحيل هذا الاهتمام.؟
أنا إبن المدينة ، إبن شوارعها وأرصفتها ، مناخ المدينة هو الذي يحركني دائما حتى لو عشت في الريف ، والمقصود بالريف هنا ليست الطبيعة ، فالريف ليس مجرد أشجار وسواقي وغروب الشمس أليس كذلك ؟ ومجازيا يمكن أن تكون الطبيعة محاكاة الأشياء . كنت أقصد وقتها أنه لم يستطع أحدا أن يرسم منظرا طبيعيا في المائة سنة الأخيرة يتجاوز به الإنطباعيين وهذا رأيي الشخصي وذائقتي ، وأنا بطبيعتي الاشجار لا تثيرني كثيرا . تصور في مرات عديدة ذهبنا في سفرات مع أستاذنا فائق حسن لرسم الطبيعة ، حينها يذهب الجميع في الصباح للبحث عن مناظر للرسم وأبقى أنا الوحيد أرسم واجهة الفندق الذي نسكن فيه ، ببساطة لقد أحببت هذه الاشياء ، البنايات والشبابيك والستائر، يمكن أن تحيط بها الأشجار لكن كخلفية غائمة وغير واضحة . كنت أقول دائما كيف لي أن أرسم حصانا وأنا لم ألمس حصانا في حياتي أما السيارة فقد كنت أتعامل معها يوميا ، والشجرة هي ذاتها منذ آدم الى الآن .على العموم في كل العالم هناك ما يسمى في مجال الرسم بالمنظر الطبيعي ومنظر مدينة ووجه البحر أي منظر بحري وهذا واضح جدا في بلد مثل هولندا مثلا ولكن هذه التصنيفات غير موجودة عندنا وغير واضحة في الرسم العراقي وكانت تظهرها أحيانا حاجة الرسام بشكل عفوي مثل اللوحات المتفردة التي رسمها الفنان حافظ الدروبي عن أزقة بغداد .
* المرأة لها حضور طاغ في إعمالك الأخيرة.. نساء لهن ملامح  تكاد تكون واحدة ..نساء كاووش- اسمح لي بهذا التعبير – متسيدات السطح التصويري للوحة.. بماذا تفسر هذا الانشغال؟
- نعم المرأة حاضرة دائما وهي أعظم رمز يمكن أن أستخدمه في لوحاتي ، حتى تقنيتي تغيرت بسبب لوحات المرأة ، وهذا أهم ما تبحث عنه كرسام أن يقودك موضوع معين الى تقنية مختلفة ، الخطوط أصبحت أكثر إنسيابية والتقوسات والإنحناءات في شكل المرأة أعطت للوحة بعدا آخر ومختلف ، هناك إنسجام في تقاطعات الخطوط وحركات الأيدي وتموجات الشعر الطويل المنسابة بنعومة فوق جبين إمرأة حالمة . أنا أنظر للمسألة من جانب آخر أيضا فحين تكون في مكان بعيد غير بلدك وبعيد عن لغتك وثقافتك وذكرياتك عنها تكون المرأة هي الوطن البديل الذي يعوضك عن أشياء كثيرة . سبب رسمي للمرأة ليس بحثا عن السعادة بل هو محاولتي رسم السعاة نفسها ، والمرأة هي من يحقق لي ذلك في الحياة وعلى قماشة الرسم . أنا لا أحب أن أرسم موضوعا حزينا أو سوداويا وتبقى اللوحة بالنسبة لي إمرأة جميلة ترقص وتغني وتمشط شعرها قرب نافذة ينساب الضوء فوق ستائرها الملونة . وعن ملامح النساء التي أرسمها فهي متقاربة بالتأكيد مثل الرسام الإنجليزي ( واترهاوس ) الذي تأثر بقصائد ( جون كيتس ) ووظف لتلك الأجواء إمرأة واحدة كان يحبها كذلك الأمر بالنسبة للرسام الأيطالي ( روزيتي ) الذي صنع أسطورته من خلال إمرأة واحدة هي ( جين موريس ) حيث رسمها في معظم لوحاته . وفي النهاية تكون اللوحات برأيي الشخصي مثل كتاب مذكرات للرسام حيث يدون عليها أيامه وما يحيطه وتكون المرأة أول هذه الأشياء ولكن بطريقة خاصة حيث يكون لديك نموذجا جماليا في ذهنك وهذا ما تود التعبير عنه من خلال الألوان والخطوط . مثلا صديقتي التي أحبها شعرها أحمر ، والشعر الأحمر بالنسبة لي يضفي بعض الغموض والسحر وهكذا ترى نساء كثيرات في لوحاتي بشعر أحمر ، حتى أصدقائي في هولندا يذكروني دائما بذلك في أحيان كثيرة كأن يقول أحدهم( ستار لقد شاهدت إمرأة تشبه نسائك ) مثل المرأة التي كانت جارة الفنان زياد حيدر في أمستردام حيث كان يقول مازحا بإستمرار ( هذه المرأة خرجت توا من إحدى لوحاتك ) . كذلك حاولت أن أضفي أيضا بعضا من ملامح الشرق في أشكال النساء . أود أن أقول لك مسألة مهمة بالنسبة لي وهي أني طوال هذه السنين أبحث أيظا في حياتي وفي الرسم عن فتاة تشبه البنت في ورق اللعب ، فهذه البنت المرسومة على هذه الكارتات هي المثل الذي أبحث عنه بإستمرار ولن أكف عن ذلك أبدا ، إنها تشدني دائما إليها ببساطتها ورمزيتها وجمالها .
* لاشك ان وجودك منذ عقدين في أوروبا فتح لك أفاقا واسعة في ترسيخ تجربتك.. إلى أي مدى أسهم ذلك في إغناء هذه التجربة.. وكيف كان استقبال المتلقي الغربي لاعمالك؟
- خرجت من العراق وقتها ومعي خمسة  دنانير أردنية فقط كان قد أعطاها لي صديقي القاص عبد الستار ناصر ، كانت وقتها لاتكفي للمبيت في فندق لليلة واحدة ، كانت لدي أحلام كبيرة وأتعامل ببساطة ولكن أيضا برومانسية مع الاشياء ، ثم بعد سنوات طويلة من ذلك دخلت هولندا وأنا لا أملك أي شيء على الإطلاق سولا موهبتي وملابسي التي أرتديها فقط . عندها إستلفت مبلغ 500 خلدن من إحدى المؤسسات لشراء إطارات لمعرضي الأول في مدينة روتردام ، لم أبع لوحة واحدة من المعرض ، بعد ذلك قال لي صاحب المؤسسة ( بعد أن شاهد البؤس على ملامحي ) سنعتبر المبلغ هدية من المؤسسة لأنك لم تبع أي لوحة ، ولحسن الحظ كان هناك صحفي حضر للمعرض وكتب مقالا صغيرا في جريدة روتردام المحلية وعن طريق ذلك حصلت على فرصة أخرى في قاعة صغيرة وهكذا إستمرت المعارض وبدأت الناس تقتني أعمالي شيئا فشيئا . المسألة لا تعتمد على موهبتك فقط بل على مهاراتك الشخصية وحضورك المؤثر وبعض الحظ بالتأكيد . الصعوبة هي كيف تجد فرصتك بين هذا العدد الهائل من الرسامين الهولنديين ، فأصحاب القاعات ومسؤولي المتاحف هنا لا يلتفتون الى مجرد رسام جيد ، فهم لديهم الكثير من ذلك ، إنهم يبحثون عن رسام متفرد لديه منطقته الخاصة التي يعمل عليها ، يحمل أدواته وتفرده ولا يكل عن المحاولة للحصول على فرصة جيدة . كفنان لديك فرصة هائلة هنا لتطوير أدواتك وتقنياتك ، تزور المتاحف وتطلع على آخر النتاجات وتختلط بفنانين عديدين بطريقة مفتوحة وبدون عقد ، أقمت في هولندا وحدها 35 معرضا لأعمالي هذا إضافة الى معارضي في أوروبا ، كذلك هناك مرسمي المفتوح والذي أستقبل فيه زائرين دائما . يجب أن تنظر الى تجربتك وتدفعها الى أمام ، كيف تقدم نفسك بشكل صحيح ، التقليد هنا في إفتتاح معرض هو أن يقدم صاحب الجاليري الفنان للجمهور ويتحدث الفنان عن نفسه وتقنياته ويستمع الى رأي الجمهور وأسألتهم بعد ذلك وكيف ينظرون الى أعماله ، ثم تمتد الأمسية في الغالب الى إحدى الحانات أو المقاهي القريبة لتكملة الحوارات التي عادة ما تنتهي بمشاريع جديدة . وبعد هذا العدد من المعارض تكتسب خبرات أخرى وتنظر الى المسألة من زاوية مختلفة ، يساعدك على ذلك طبعا تعلمك للغة البلد الذي تعيش فيه . لقد كتب 23 شاعرة وشاعرا هولنديا 23 قصيدة عن لوحاتي وصدرت في كتاب باللغة الهولندية بعنوان ( أصابع كاووش ) حينها لم كن أعرف اللغة الهولندية بعد وكان هذا حافزا لتعلم الهولندية ، بسبب هذه القصائد تعلمت اللغة بشكل جيد ، أردت أن أعرف ماذا كتب هؤلاء الشعراء عن لوحاتي .
* لديك رأي في المشهد التشكيلي العراقي الان، سمعناه وقراناه في أكثر من مناسبة.. هل لك أن تلخص لنا هذا الرأي كفنان وكناقد أيضا؟
- لرؤية الحركة التشكيلية في مكان ما بشكل صحيح يجب أن ننظر لها من جوانب عدة ، فتطور الفن في بلد معين أو حتى مدينة ما ليس بعدد الرسامين وموهبتهم العالية ومهاراتهم فقط ، فالمواهب موجودة في كل مكان تقريبا ولو بشكل متفاوت ، المسألة تتعلق أساسا بالتقاليد الثقافية والمناخ العام وطريقة تفكير المجتمع ككل ، ما الذي يعنيه الفن للناس ، كم عدد المتاحف ، ماهي الكتب التي صدرت في الموسم الفني الأخير ، عدد الأكاديميات ونوعيتها . نتحدث عن بلد فيه فنانين كبار وفي نفس الوقت نغير إسم أكاديمية الفنون الى كلية الفنون ونحطم أعمالا فنية لا تتفق مع إيديولوجيتنا ، حتى نوعية المواد الفنية المستخدمة لها دور في ذلك فهي الأداة الأساسية لصياغة الأفكار الفنية . نحن لدينا فنانين كبار لكن من سيقيم الأعمال التي يقدمها هؤلاء الفنانين واين ستعرض ومن سيقتنيها وكيف سنحافظ عليها كي تطلع عليهاالأجيال القادمة ، أرجو أن لا أبدو متشائما أو بياع كلام لكن المسألة تحتاج الى فهم دور الفن في حياة المجتمع وتأريخة . تصور نحن أول من قدم الحضارة والفن للعالم ولسنا قادرين الآن على صناعة قماشا صالحا للرسم أو ألوان زيتية عراقية ... ، وهذه العملية سهلة الى أبعد الحدود وهي ليست أصعب من صنع معجون أسنان أوصناعة الأحذية .
* المدرسة التعبيرية الألمانية، والبوب أرت.. كان لها أثر واضح في أعمالك .. كيف تعلق على ذلك؟
- في معرض شخصي لأعمالي في أكاديمية الفنون في بغداد سنة 1986 دخلت القاعة ووجدت أستاذي الفنان وليد شيت واقفا أمام إحدى اللوحات الكبيرة ، كانت اللوحة تمثل علبة سجائر بغداد رسمتها على حجم اللوحة كلها ، كان تأثير أندي وارهول واضحا وكنت قد شاهدت عمله ( شوربة كامبل ) إلتفت لي وقال وهو يشير أيضا الى لوحة أخرى قريبة رسمتها بطريقة تعبيرية على شكل عجائن من اللون ( ستار الأفضل لك أن تسلك طريقا واحدا فأما التعبيرية أو البوب آرت ، وأنا أفضل أن تختار البوب لأنه ليس في العراق فنانين يرسمون بهذه الطريقة وسيعطيك ذلك نوعا من التفرد ) . لكني مع كل هذا الإطراء وجدت نفسي مأخوذا بالتعبيرية ، أحسست بأنها قريبة من طريقة تفكيري ومزاجي وتقنيتي ولكني لم أكف عن أستخدام بعض تقنيات البوب كالصحف وبعض القصاصات والصور التي ألصقها على اللوحات . كانت تعجبني لوحات جماعة الجسر كذلك أعمال مونش وإيغون شيله وهذا ما فتح لي نافذة جديدة في سنوات قادمة ، نافذة تطل على أعمال كليمت الذي أثر علي تأثيرا كبيرا ، هذا الفنان الذي مزج بين الشرق والغرب وهذا ما كنت أبحث عنه تماما في لوحاتي ، وهو ما ينطبق على شخصيتي أيضا في الوقت الحاضر . وبالنسبة للمدرسة التعبيرية فكانت مرحلة مهمة بالنسبة لي بعدها إتجهت الى صياغة أعمال فيها مسحة ذاتية وشخصية تمثل رؤيتي وطريقتي الخاصة في رؤية الأشكال التي أرسمها ، فالنساء اللواتي يظهرن في لوحاتي والأكسسوارات التي تحيط بهن ، خصلات الشعر المتموجة ، حركة الأصابع ، الطاقيات الملونة ، العيون ، أنحناءة الرأس ، النوافذ المفتوحة التي تتداخل معها بقعا ملونة من الضوء والخلفيات التي تتماهى مع بعضها بدرجات من أزرق الكوبالت الشفاف ، كل هذا يمثل حديقة خاصة بأعمالي أو بستان ملون أزرع فيه زهوري الملونة كل صباح .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية