جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » ثقافات


العاري الراديكالي


ترجمة: عباس المفرجي
ظلّ إيغون شيله مهمَلاً لأكثر من 50 
عاما بعد موته المبكر، لكن عراته
الايروتيكيين، الصريحين –  الذين
أحدثوا فيما مضى صدمة شديدة – كان
معترفا بهم بوصفهم عمل رسّام بارع
على نحو مدهش، يكتب ويليام بويد
في عام 1964 أصدر الناشرون ميثون موسوعة ضخمة موثوقة هي "موسوعة فن الرسم الحديث" – مازال لدي نسختي البالية منها. يبدأ الكتاب مع ’’ابولينير‘‘ وينتهى مع ’’زاندومينيغي‘‘، وكان انجازا ثقافيا محترما للغاية تم جمعه من قبل 30 مختصا معروفا، وهو الكلمة الأخيرة عن 100 عام من تاريخ الفن. لكن ما يثير الفضول هو عدم وجود مدخل لإيغون شيله. كليمت له مدخل، بالطبع، وكذلك معاصرو شيله، اوسكار كوكوشكا، وأيضا حركة الانفصال الفيينية، التي كان فيها شيله شخصية هامة. مع هذا فإن الاشارة الوحيدة لإسم الفنان ترد في صفحة كليمت حيث كُتِب: ((كان كليمت مثار إعجاب كبير من قبل إي شيله.)) ما كانت تعنيه هذا الاشارة لأي شخص من عام 1964 هو شيء غامض.
في حزيران 2011، في دار سوثبيز، لندن، ذهبت لوحة لمشهد مديني من 1914 لشيله، "Häuser mit bunter WäSCHE" (Vorstadt II)، تحت المطرقة. بيعت لشخص مجهول بمبلغ 24.7 مليون باوند. حتى بالمقاييس المجنونة لسوق الفن اليوم يكون لإعادة الاكتشاف المذهلة هذه لجدارة فنان لها بعض السَبَق، منافسة عطر فان خوخ المدوّخ. مسار شهرة شيله ما بعد موته من مجهولية تامة تقريبا الى مجد عالمي كلي الوجود حدث في غضون 50 عاما.
أقل من 50، في الحقيقة، عندما نأخذ التفاصيل بعين الاعتبار. يمكنني تذكّر شيله داخلا المشهد فجأة في بداية السبعينات، حين كنت طالبا جامعيا. يمكنك، فورا تقريبا، شراء بطاقة معايدة  تحمل رسما منسوخا من عمله في كل مكان؛ توفرت بوسترات للوحات ورسومات صارت معروفة حديثا. إبتعت أنا بحثاً عنه في كتيب بحجم الجيب كاشفا عن تفاصيل من حياته القصيرة المعذبة. مَنْ كان هذا الفنان الذي لم نسمع عنه أبدا؟
إعادة اكتشاف شيله كان العمل الفردي تقريبا لرودولف ليوبولد (1925- 2010)، طبيب عيون من فيينا، بدأ في السنين التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بشراء كل لوحة ورسم تخطيطي لشيله أمكنه إيجاده – لقاء مبالغ متواضعة جدا من المال.
لم يكن ليوبولد رجلا ثريا، لكنه مجرد رجل ذي بصيرة على نحو خارق. أحَبَّ أعمال حركة الانفصال الفيينية وبالأخص شيله. بوقت وجيز، توصل ليوبولد الى إقتناء أكبر مجموعة من أعمال شيله في العالم. من ثم عام 1972، أصدر catalogue raisonné [’’فهرساً قياسياً‘‘]، وبدأ التعاظم السريع في الاهتمام العالمي بالفنان ولم يتوقف أبدا. بسرور، إعترفت الحكومة النمساوية بالاستحواذ البطولي لليوبولد فبنت له غاليريهاً في حي المتاحف في فيينا. هو واحد من أعظم غاليريهات الفن في العالم والمقصد الرئيسي لاولئك الذين يتمنون مشاهدة أعمال شيله.
من الصعب، مع ذلك، تفسير فجوة الصمت التي وقع فيها شيله وشهرته، في العقود التي تلت موته، عن عمر 28 عاما فقط، عام 1918. كان معروفا جيدا، بغض النظر عن رداءة السمعة، في الأوساط الفنية الفيينية في بدايات القرن العشرين وكانت مواهبه الاستثنائية كفنان معترفا بها على نطاق واسع. تفسير إهماله قد يكون ببساطة نتيجة لموته المبكر (سببه انفلوانزا وبائية اسبانية) أو الشهرة اللاحقة لكليمت، كوكوشكا وآخرين ملقية بظلالها على شهرته. إنها فترة غريبة من الإهمال لأن شيله وعمله، بطرق عديدة، عكسا على نحو أفضل تلك الفترة المدهشة من التاريخ الثقافي- الاجتماعي عندما كانت فيينا، من السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر وصعودا حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، من أكثر المدن فتنة في العالم.
هذه العاصمة البورجوازية الجميلة، المكتنزة كانت قبلة تيارات كثيرة من الحداثة. إن بدأنا بإعداد قائمة بالرسّامين – شيله، كليمت، كوكوشكا؛ ثم الموسيقيين – ماهلر، شويتبرغ، بيرغ، فيبرن – فستأخذنا الدهشة مسبقا. بالإضافة الى المعماريين والمصممين – أوتو فاغنر، أدولف اوس – والكتّاب – جوزيف روث، روبرت موسيل، كارل كراوس، ريلكه (وكافكا في متناول اليد في براغ) – والشراب المخمّر الغني جدا. لكن أيضا في فيينا قبل الحرب العالمية الأولى كان اولئك – بعضهم من ساكنيها، بعضهم عابرين – بناة الامبراطوريات، خبيثون، ومشوِّشون، مثل ادولف هتلر، تروتسكي وستالين. إضف توابلا من لودفيغ فيتغنشتاين وسيغموند فرويد فستبدأ بفهم لماذا مدينة فيينا نفسها، أثناء تلك السنوات المبكرة من القرن، كانت تُعَدّ gesamtkunstwerk  ، ’’فن مكتمل من أعمال الفن‘‘. ليس ثمة مكان يشبهها على الكوكب. لا أعتقد أن مثل هذا التطابق العميق من الفكرات، من السياسة، من الفن، الأدب، الموسيقى والفكر الثوري كان مكررا في القرون الحديثة. ربما فلورنسا النهضة فقط هي من المدن التي تجاري فيينا.
وُلِدَ شيله  عام 1890 في تولن، مدينة صغيرة على الدانوب حوالي 30 كيلومترا غرب فيينا. كان والده ناظر محطة، توفي على نحوة مثير للإهتمام بمرض سفلس من المرحلة الثالثة عندما كان شيله في الرابعة عشرة من العمر. أظهر الفتى موهبة في الرسم، وفي عام 1906 ضَمِنَ مكانا في اكاديمية فيينا ذات المكانة المرموقة، اكاديمي دير بيلديندين كونست (معهد، سيرفض بعد ذلك بقليل طلب تقديم من فنان مزعوم محلي آخر، هتلر، ولمرتين).
جذب الطالب شيله الموهوب على نحو مبكر النضوج لاحقا إهتمام غوستاف كليمت، الفنان المجلّ من الحركة الانفصالية – ثورة فنية إحتوت أشكالا فنية عديدة، كلها مقادة بالهدف الأساسي لرفض كلاسيكية البوزار وفن الصالونات المتجهمة المتوسط النوعية. في عمر العشرين، كان شيله أصبح معترفا به كخَلَف لكليمت وبالفعل كان التأثير المبكر لكليمت على الاسلوب الغرافيكي لشيلة واضحا جدا وقابل للإدراك.
عمل شيله، كان أصلا تعبيريا، جريئا، آخذا ايروتيكية كليمت المزخرفة بوثبات جسورة الى مديات أبعد مع تحريفاته الرمزية، تطويلاته المتكلّفة وصراحته الجنسية. كان يجذب بسرعة رداءة السمعة برسومه العارية الصريحة. يقال أن الامبراطور نفسه، فرانز جوزيف، علّق حين قابل واحد من عراة شيله بالحجم الطبيعي: ((هذا هو بالتأكيد شائن!)) في عام 1910، أزيلت مختارات من رسومه من معرض للرسم بسبب ’’طبيعتها الفاحشة‘‘.
رداءة السمعة هذه قادت شيله الى الرحيل من فيينا الى مدينة صغيرة تدعى كروماو، حيث عاش مع واحدة من موديلات كليمت السابقات، فاليري ’’فالي‘‘ نوزيل. أصبحت فالي موضوعه المفضّل. لكن أن تكون فنانا عصريا متصلبا، تعيش في مدينة إقليمية صغيرة هو عمل محفوف بالمخاطر، وكان السكان المحليون يغضبون عندما يرون شيله راسما فالي عارية في حديقة البيت الذي إستأجره. غادر كروماو الى مدينة صغيرة أخرى، نولنغباخ، حيث إستخدم الاطفال المحليون موضوعا لرسومه الاعدادية. واحد من هؤلاء الأطفال، فتاة في الثالثة عشرة من العمر، هربت من منزل والديها طالبة اللجوء في ستوديو الفنان. أغارت الشرطة على المنزل وإعتقلت شيله، موجهة اليه تهمة الاختطاف، إغتصاب معاقَب عليه قانونا وفساد أخلاقي علني. أُسقِطَت التهمتين الأوليتين لكن شيله حوكم بالتهمة الثالثة حين عثرت الشرطة على كميات كبيرة من الرسوم ’’الداعرة‘‘ وزعمت أن الأطفال الذين كان يستخدمهم كموديلات شاهدوها.
أُودِعَ السجن، حيث قضى مدة محكومية 24 يوما، تجربة سبّبت له صدمة. عاد شيله الى فيينا حيث عاش في فقر، رغم أنه إستمر بعرض أعماله. شَهَدَ اندلاع الحرب العالمية الأولى بداية علاقته مع إديت هارمز – نُبِذَت فالي، المخلصة لكن من الطبقة العاملة. تزوج شيله من اديت قبل أن يُستدعى وتقع عليه القرعة للخدمة في الجيش النمساوي عام 1915. هو لم يشهد القتال أبدا إذ قضى معظم خدمته العسكرية حارسا في معسكرات أسرى الحرب، وفي ساعات راحته، واصل الرسم والتخطيط وبدأ عدد من تجار الفن يهتمون أكثر بعمله.
في عام 1918، توفي كليمت في عمر 55 وكان متوقعا عموما أن يكون شيله خَلَفا طبيعيا له في عالم الرسم الفييني. و، في النهاية، ظهر للعيان نجاحا ماليا ليتبعه إعترافا فنيا – كان معرضه الأخير بُيع بالكامل. مع ذلك، كان الانتصار قصير العمر. في تشرين الأول 1918، قبل شهر من نهاية الحرب، توفيت زوجته اديت شيله، التي كانت حاملا بطفلهما الأول، بمرض الانفلونزا الاسبانية. شيله، أُصِيب أيضا بالفايروس، ودام مرضه ثلاثة أيام أخرى قبل أن يموت في فجر يوم 31 تشرين الأول.
ألفة مثل هذه مع لوحات ورسوم شيلة تستلزم شيئا من تجربة فكرية لتخيّل الصدمة العميقة التي خلفتها رسومه عند مشاهدتها أول مرة. اللوحة الشهيرة "ذكر عاري جالس" (1910) هي مثل واضح ينطبق عليه كلامنا. من المحتمل بورتريه ذاتي، وهو هزيل، عاري بالحجم الطبيعي مواجها الناظر، ببشرة صحية وحلمتين سبختين صفراوية خضراء وعين واحدة محدّقة حمراء، مشؤومة. التأثير هو من باب أولى مؤسلب وأخْرَوي إذا ترك شيله القدمين العاريتين مقطوعتين؛ قصبتا الساق تنتهيان الى جذل أبتر. اللوحة الناتجة هي  مزعجة وقوية شأنها شأن لوحة لفرانسيس بيكون أو لوسيان فرويد. يتساءل المرء ماذا إستنتج مواطنو فيينا الطيبون من هذا عام 1910. نكوص، غضب زائف – إفتتان سرّي؟
النفاق الاجتماعي لفيينا النمساوية- المجرية في مستهل القرن العشرين كان هو نفسه موجودا في لندن الفكتورية. ثقافات قمعية، تحريمات عامة تحفز على وجود عالم سفلي هو العكس، جنسيا وسلوكيا، من القيم والمواقف المدّخرة في الواجهة العامة لهذه المجتمعات. وجد شيله نفسه محاطا ومهاجَما بهذه المناخ الاجتماعي وعمله هو، بين أشياء أخرى كثيرة، جهد لتعرية الأكاذيب والإدّعاءات السطحية ككل في المدينة التي عاش فيها.
الى حد ما، يفسّر هذا الايروتيكية المثقلة والصريحة للكثير من أعماله – رغم إنه يجب أن يُسجَّل أن شيله رسم أيضا مناظرا طبيعية طوال حياته العملية. لكنه كان يعود مرة بعد مرة الى أشكاله البشرية العارية المتخذة وضعة الرسم، ذكورية وأنثوية – الاختبار النهائي والإثبات، هكذا صاغها الناقد روبرت هيوز، على قدرة الرسام وجدارته كفنان. مع هذا، توجد كثافة شبه بورنوغرافية لا تُنكَر في الكثير من رسوم شيله التي هي بوضوح أدّت وظيفة محفّز جنسي له إذ وضع الكثير من الرسوم الاعدادية لبورتريهات ذاتية وهو يقوم بفعل الاستمناء. كان واحدا من أكثر الفنانين المصوَّرين فوتوغرافيا، مبتدعا وقفات هي حتى في هذه الأيام تتمتع بحسّ معاصر مدهش.
رسّام بورتريه ذاتي عظيم، ملوِّن رائع، متلاعب جسور بالتركيب ومالك لرؤية مخرِّبة ومثيرة عن فنه – كل هذه النعوت تنطبق على شيله وتتوالف لتجعل منه واحدا من أهم الفنانين الأوربيين في القرن العشرين. مع ذلك، حسب رأيي، ما يرفعه حقا الى المرتبة الأولى هي تلك القوى المدهشة كرسّام تخطيطات (draughtsman). يمكن الحديث عن شيله كما نتحدث عن رسّامي التخطيطات الآخرين الذي شكّلوا ظاهرة في فن الرسم – رامبرانت، انغر، ديغا، تولوز- لوتريك، فان خوخ، بيكاسو، كْلِي، سوذرلاند و، في عصرنا، مايكل اندروز وديفيد هوكني. أنا أؤمن بانك لا تستطيع أن تكون رسّاما عظيما حقا ما لم تكن رسّام تخطيطات ممتازاً. ومع هذا، هناك رسّامون شهيرون وناجحون على نحو هائل، يرسمون بشكل جيد أو سيء، كما يرسم طفل في العاشرة من العمر، يُحتفى بهم في كل مكان، خصوصا في عهد ما بعد الحرب العالمية الثانية. يمكنك نسبيا أن تميّز بسهولة من فحص أعمالهم أن هنالك شيء مفتقَد على نحو أساسي. جاكسون بولوك، اذا ما شئنا أن نسمّي واحدا من عمالقة الحداثة، هو مثال بارز – كان رسام تخطيطات غير بارع بشكل فاضح – لكن هناك عشرات غيره.
إنها نقطة مهمة. واحدة من العلامات الرئيسية على القدرة على الرسم هي أنها تعلمك الرؤية، كما لاحظ هوكني في مقابلة حديثة؛ ما هو أكثر، الرسم من الحياة يعلّمك الرؤية بتفصيل دقيق ومميز. كان شيله موهوبا على نحو غزير في تلك الناحية.
مسألة مخزية ثقافيا لهذا البلد أن لا يكون في غاليريهاتنا الفنية الكبيرة أي عمل هام لشيله. من الواضح ان أوصياء الغاليريهات المختلفين أشاحوا بوجوههم عنه وحين حلّت سنوات السبعينات وأخذ الجميع فجأة يتحدثون عنه كان الوقت تأخر كثيرا وأصبحت الأعمال باهظة الثمن. بالنتيجة، إن أردت أن ترى أعمال شيله، عليك الذهاب الى فيينا أو الانتظار حتى يقام معرضا في لندن. وهي تأتي فعلا، لحسن الحظ، من حين لآخر. "ايغون شيله: العاري الراديكالي" يفتتح قريبا في الكورتولد؛ قبل ثلاث سنوات نظّم غاليري ريتشارد ناغي في بوند ستريت، لندن، معرضا كبيرا ورائعا لرسوم شيله.
حالفني الحظ بحضور هذا المعرض وقضاء بضع ساعات متأملا الأعمال المعروضة. السيماء الرئيسية لرسوم شيله هي التوكيد الواثق على الخط. درست هذه الرسوم من أقرب مجال ممكن – لا تبعد عيناي سوى سنتيمترات قليلة عن سطح الورقة. ليس هنالك من دليل على العلامة التمهيدية المترددة، على لمسة التردد الابتدائية لقلم الرصاص أو قلم الشمع التي تتيح للفنان تحديد اتجاهاته واختيار وضع الخط التعبيري الأول. والخط المرسوم بضغطة حقيقية – سواء بقلم الشمع، قلم الرصاص أو قلم الفحم – هو ثقيل، معتم وخشن. إنه مختلف جدا عن التخطيط التمهيدي، القشّي لكليمنت. يمكننا بوضوح مشاهدة سرعة وثقة أداء شيله، الجريان المتحرر لليد، معلناً – في بضعة ثوانٍ سريعة من النشاط – عن كومة لفات من شعر أو قماش مغضّن أو الملتقى المائع للخاصرة والورك والفخذ. إنه، أكثر من أي شيء آخر، عرض لبراعة فنية غرافيكية غير متوازية.
الشيء نفسه يمكن أن يقال عن استخدام شيله للتركيب، لـ’’التأطير‘‘ بالمعنى السينمائي. رؤوس وأذرع تُرِكت خارج سطح الرسم، مقطوعة بحافة الصفحة. وُضِعت الأشكال البشرية في مستطيل الصفحة أو على نحو دراماتيكي في أحد جوانبها، والفضاء الفارغ للسطح غير المرسوم عليه هو مفتاح للتركيب ككل كما هو مفتاح للشكل المرسوم نفسه. هذا له التأثير في جعل الرسم المجازي أكثر تجريدية، محيِّدا، بتناقض ظاهري، الأثر الصَدْميّ للأوصال البشرية الممتدة، أعضاء التناسل المكشوفة، المحيط الجنسي المباشر للفنان والموديل. بعد ذلك أضاف لونا الى هذه الرسوم، وكان أثر هذا تجريد الصورة أكثر من الايروتيكية، ومهما كان الحافز الى الايروتيكية فإنه يتبدد بالتجريدية الجزئية للألوان لمتجاورة.
مثل كل الفنانين العظام الذين رحلوا في ريعان الشباب، يجعلنا موت شيله المبتسر نتساءل ماذا كان سيحدث لو أنه عاش حاة أطول – ونتفكّر في الاتجاه الذي يمكن أن يأخذه فيه سبيله الفني. حيوات طويلة خصبة هي ليست بالضرورة نعمة للفنانين – لنفكّر في كوكوشكا أو اندريه ديران، على سبيل المثال. إنها تجربة فكرية أخرى آسرة: لو كان شيله عاش حتى عمر 70، ثم توفي، لنقل، في ستينات القرن (توفي كوكوشكا في ثمانينات القرن عن عمر 93)، إذن ربما لن تكون رسوماته مباعة بملايين الباوندات اليوم وما كنا سنناقشه بهذه الطريقة كما نفعل الآن. كثافة وتألق تلك السنوات العشر الأخيرة من حياته القصيرة، في وقت مبكر من القرن العشرين، هي تراثه الحقيقي. العمل الذي أنجزه ما زال يتمتع بقوته الهائلة ويكشف عن السخاء العظيم لمواهبه كفنان.

عن صحيفة الغارديان



المشاركة السابقة : المشاركة التالية