جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


الثقافة والقروية الداخلية الفعل والفعل المضاد والتأثير الجمعي على المجتمع


استطلاع /علي سعيد
تمر الحياة الثقافية بمرحلة تضارب الافكار والفوضى والتصادم ايضا ربما هو انعكاس كبير لما حصل بعد عام 2003 وهو عام التغيير من وضع الى وضع اختلف الكثيرون على تسميته، ما ولد الكثير من التناقضات في التصريحات التي تأتي مرة بحسب المصالح ومرة بحسب الفكر الذي يؤمن به رغم قلته..
ولذا نرى انه في الكثير من الاحيان تتحول المناقشات وطرح الاراء الى قضايا مصيرية وعقائدية بين الناس وخاصة بما يتعلق بالرموز الدينية ولكن الامر اختلف كثيرا في الاونة الاخيرة حين يتحول الرأي الادبي بشخصية ثقافية الى  تعصب ثقافي يتم فيها توجيه الاتهامات بشكل مفرط على من طرح الرأي او ايده وهو ما يعني الاندفاع نحو قروية المثقف الذي ينسى انه في طروحاته الاعتيادية اليومية يقاتل لكي ينمو الرأي الثقافي بوجوهه المتعددة وانه احد اهم عناصر الوعي الثقافي. السؤال هو هل القروية الداخلية للإنسان اقوى من الثقافة المكتسبة بحيث يمكن ان تؤثر على الوعي الجمعي والاجتماعي وتكون هي البارزة وكيف السبيل الى ان نحد من هذه القروية لبناء مجتمع ثقافي مؤثر في الوسط الاجتماعي الذي يعد القروية جزءاً من تكوينه؟
الطائفة والعشيرة
الشاعر والنقاد علي حسن الفواز قال ان الحاضنة الاجتماعية هي القوة الفاعلة في مجتمع يفتقد للمؤسسات المدنية، وللقوة القانونية التي تحمي هذه المؤسسات ، وما نشهده للأسف في الكثير من مظاهرنا الاجتماعية يعكس هذا الاختلال البنيوي العميق، اذ تتحول سلطة الدولة الى سلطات رمزية تنفذها جماعات معينة..ويضيف ان هذا بطبيعة الحال يكرس الى حد كبير سلطة الرمز الديني والرمز العشائري والرمز الابوي والتجاري..وهذه الانحياز والتمثل لهذه السلطات يعكس مظاهر الهشاشة المجتمعية، وضعف امكانية الاشباع السياسي والثقافي والتنموي، مثلما يعكس خطورة المشكلات والتحديات التي تواجهها الدولة والامة..ويرى الفواز ان ضعف الامة والدولة هو جزء من سيرورة التحدي، والذي يستدعي وجود قوى تعويضية ورمزية، تمنح مريديها القوى على التغبير عن هويتهم ومواقفهم، بما فيها بعض المواقف الطائفية والسياسية..ويجد الفواز ان البعض يتعرى وينكشف امام لاوعيه الطائفي او العشائري ويتصرف وكأنه ابن الطائفة او الجماعة والعشيرة، ولا وجود للقوة الثقافية التي تمنحه دافعا للتجاوز والانسية، والانحياز الى قيم التحضر والتحديث على مستوى فهم الدولة والأمة والهوية، والقبول بالآخر ..وتوظيف كل ما من شأنه ان يعزز قيمة الوعي في ذاته وفي مشروعه الثقافي والوطني،ويمضي بقوله ..لا احسب ان(المجتمع الثقافي) خارج هذا التوصيف، فسلطة اللاوعي الجمعي مازالت مهيمنة، ومازالت وظيفة المثقف غير عضوية في مجتمع تحكمه الرمزيات المهيمنة، والسرديات الموجهة.. والمركزيات التي صنعت رعبا في الاخضاع، بما فيه الاخضاع اللغوين والذي كثيرا مانراه اليوم منطقة لصناعة الحروب الصغيرة، ولتعويم الكثير من وظائف الثقافة لصانع وظائف مضادة

تبني الآراء
الدكتور الروائي علاء مشذوب يرى ان المجتمع الثقافي أسوة بأي شريحة من شرائح المجتمع هو خليط قد يكون متجانسا مع بعضه وقد يكون متنافرا  ولكننا نفترض أنه متجانس على الرغم من انتماء أصحاب هذه الشريحة الى أصول متعددة..ويضيف انه إذا كان المثقف من أصول قروية فأن الطبع يغلب التطبع ولكن إن كان المثقف من أصول مدنية فمن أين له التعصب لقرويته؟ويرى مشذوب من جهة ثاني إن الآراء التي تطرح من قبل المثقف بغض النظر عن أصوله القروية أو مدنية غير مدعاة لأن يتعنصر المثقف لها أو يتعصب فأن من يقبض على آرائه في هذا الزمن الذي يموج بالمتغيرات، فهو أدعى الى ان يكون متعلما، وليس مثقفا، وربما حتى في هذا الرأي نوع من الدوغمائية، لأننا في زمان وعبر عالم الاتصال والتواصل سرعان ما ينبري رأي ويتحصن حوله بعض محتضنيه، لنجده بعد فترة وقد تحول الى رأي قديم وانبرى مكانه رأي جديد ربما يتساوق معه أو ينبذه الى رأى جديد هو مغالب له في الصحة والبرهان.ويشير مشذوب الى ان المثقف هو من النوع الذي يتبنى الرأي بحدود صلاحيته، فما أن ينتهي إكسبايره، حتى ينفضه الى رأي جديد، وهكذا تتطور الأمم وتتوالد الشعوب، وإن لم يفعل المثقف الواعي ذلك، فسيتحول رأيه الى رأي ديني دوغمائي يصعب نسخه، وبالتالي يعود عليه بالسلب في منظومته الفكرية التي تتأخر في مسيرتها بالتوازي مع سير المنظومة الكلية لتوالد الأفكار..ويتابع رأيه بالقول..كما وان للمنظومة الثقافي تأثير كبيرا في الوسط الاجتماعي، فبعد ان كان المركز هو المسيطر على المنظومة المجتمعية بالعموم، أصبح ومن خلال المثقفين بكل مرجعياتهم، لتلك المنظومة تأثير في بناء المجتمع، وعلى سبيل المثال فأن شارع المتنبي في كل يوم أصبح محج للساسة في الوقت الذي كان برجا عاليا للمثقفين يتشرنقون حول انفسهم في هذا المكان، بل ان الفضائيات والصحف بشقيها الجرائد والمجلات أضحت اليوم أكثر اعتناء بالمثقف وما يسلطه من أضواء وآراء على كل ما هو مهمش وضعيف ومنبوذ ولا مركز، ..وخلاصة القول لدى مشذوب أن ليست المرجعية في بعض الأحيان قد تكون هي المتحكم في ثقافة الإنسان فلربما قامة مثل العقاد أو المنفلوطي أو طه حسين، إستطاعت أن تسير بالمجتمع الى ضفة التنوير، والعكس صحيح في الكثير من المثقفين من المدنية لهم آراء عنصرية أو مسيئة للآخرين وهم لا يستحقون الذكر في هذا المقام الرفيع.

المسؤولية الثقافية
ويرى الروائي ناظم العبيدي انه لا يمكن للثقافة أن تجد طريقها الى الإنسان مالم تكن قادرة على ازاحة شيء مما هو ثابت في قناعاته المكتسبة رسختها النشأة داخل وسط اجتماعي له ثقافته وخصوصياته المحلية الموروثة بكل مافيها من معتقدات وأفكار ربما هذا ما يفسر رفض الكثيرين وكراهيتهم التلقائية للمؤثرات الثقافية لأنها تهدد يقينهم الثابت والمطمئن تجبرهم على التخلي عن مسلماتهم واعادة النظر في طبيعة هذه التأويلات الجاهزة التي يحملونها في عقولهم وقلوبهم ..ويضيف العبيدي..أن العاطفة عادة ما تكون وراء التسليم والإنقياد لما الفناه من تلك الرؤية الملقنة منذ الصغر ، هذه المهمة المخيفة لعقول الكثيرين تصبح لدى آخرين ممن تلقوا شيئاً من الثقافة المتصالحة مع نفسها مستحيلة وشائكة ليس لأنهم تحرروا من أسر تلك اليقينيات التي تربوا عليها ، بل لأنهم لم يقبلوا من الجهد المعرفي والثقافي إلا ما يؤيد تلك الأجوبة القديمة والقناعات الموروثة..ويشير الى انه أمام هكذا نمط من الوعي الذي نفى ذاته عن تقبل أي محاولة للتعرف على ماهو جديد من الأفكار تصبح المهمة الثقافية هنا اكثر صعوبة لأنها تواجه عقبات تتمثل بثقافة مضادة وممانعة إذ أن من اشتراطات المعرفة الحقيقية هو الشك والبحث عما هو اقرب الى المعقول مما سواه ، وهذا ما شهدناه ونشهده في طبيعة الثقافة وبخاصة الدينية منها فليس ثمة باب يمكن ولوجه لدى الكثير ممن ذهبوا في مطاوي التاريخ وسكنوا فيه ولم يبرحوا منه ، فضلاً عن وجود اعراف وتقاليد تتحكم برؤية الأفراد وتمنحهم ما يشبه القانون يكون احياناً اقوى حتى من احكام الدين ذاته..ويمضي بقوله..ليس كل الناس متدينين ولكن غالبيتهم محكومون بالتقاليد التي ورثوها بحكم البيئة والمجتمع الذي ينشأون فيه ..ويطرح العبيدي سؤالا مفاده:ما الذي يجعل للثقافة حظوة لدى انسان ما لتنافس أو تعطل الكثير من هذه الأعراف والأفكار المسلم بها دون تأمل او اعمال عقل كما يقال في لغة الفلسفة ؟ ويجيب ان التجارب ونظريات المعرفة تقول أن المعرفة الحقيقية تحرر الإنسان وتمنحه الشجاعة لأن ينتقد ويحاور يقينياته اوـ ما يبدو كذلك ـ وتضعه امام مسؤولية ذاتية وثقافية من خلال رؤية جديدة ، الرؤية التي تتخذ من العقلانية منهجاً للوصول الى القناعات ولو بالقدر المعقول منها ، والعقل هنا لا يرفض او يتقبل سلفاً احكاماً جاهزة مثلما هو الحال في العقل الإتباعي والبسيط ، في هذه النقطة بالتحديد يكمن الفارق بين المثقف وغيره من الأفراد ، ولعل في هذه الخصيصة المعرفية ما يجعل من المثقف الحقيقي ناقداً ومقوماً للواقع المحيط به ، وفيها ايضاً تكمن خطورة العمل الثقافي ودوره الإجتماعي ، لأن القوى التي تستند الى منظومة القيم والأعراف القارة في اذهان الناس لا تسمح عادة بالمراجعة او التغيير ، ولابد للمثقفين والمؤسسات المعنية بالمعرفة ان تضع استراتيجية حقيقية وفاعلة للتأثير على الناس من اجل تحريرهم مما يعطل من قدراتهم ويضيق مساحة الرؤية لديهم ، لكننا بالمقابل لا يمكن أن نتحدث عن الجهد الثقافي دون النظر الى أهمية معرفة الوسيلة التي يجب مخاطبة الأفراد بها ، فثمة مقدسات واعراف لابد من مراعاتها وعدم اظهار التحقير او الحط من شأنها ، فمن الأهمية بمكان ان يكون النقد موضوعياً ومتحضراً ، لأن معظم الناس حتى الذين لديهم قدر من الثقافة يرفضون الكثير مما يصادفهم من افكار واراء بسبب الطريقة التي تقدم بها ، وهذه طبيعة بشرية لا يمكن التخلص منها بسهولة ويمكن ملاحظتها في كل المجتمعات البشرية ، وبالنسبة لنا في العراق تبدو القضية اكثر تعقيداً من الناحية العملية فبالإضافة الى ما نشترك به مع سائر مجتمعات المنطقة ، لدينا جملة اشكاليات سياسية واجتماعية واقتصادية ايضاً ، واصبح العمل الثقافي عرضة للتجاذبات السياسية التي تركت اثرها العميق على طبيعة الخطاب العام وكذلك الطروحات الثقافية التي لا تنفصل عما يجري بكل تفاصيله ، ومن الطبيعي ان تثار بين الحين والآخر قضايا لا تستحق الإهتمام يجري تضخيمها وإعطائها حجماً كبيراً ومبالغاً فيه ..ويعتقد العبيدي أن الوضع المأزوم والقلق الذي نعيشه جعل من القوى المتصارعة تستثمر مثل هذه القضايا للترويج لنفسها ، او للهروب الى ماهو هامشي وعرضي لأنها غير قادرة على رؤية ماهو جوهري وأساسي مما نعاني منه ويمكن أن نسوق الكثير من الأمثلة على اتخاذ من حادثة عرضية الى قضية  تتعلق بالهوية والمصير ..ويذكر أن من مسؤوليات المثقف عدم الإنقياد لهكذا ممارسات ، فليس من مصلحة المثقف او الثقافة ان تتجاهل التحديات الكبيرة التي نعاني منها ونمضي للإنشغال بما هو هامشي ، الا أننا لا يمكن ان نتجاهل حقيقة مؤلمة هي أن الكثيرين للأسف لا يملكون مثل هذه الرؤية الثقافية التي يجب ان يتحلى بها المثقف ، وتجعله حراً من ارغامات اللحظة التاريخية التي نعيشها بكل التباساتها وصعوباتها ، فمثل هكذا حرية تتطلب الكثير من الشجاعة  والكثير من النزاهة ايضاً .

تراكم اللاوعي
الشاعر باسم فرات يقول ان ما سأطرحه هو وجهة نظر قارئ فلست مختصًّا وهكذا حالات تستحق الدراسة والبحث من قبل مختصين في علم الاجتماع، لمعرفة أسبابها ودوافعها وحواملها الاجتماعية.ويضيف انه حين نتربى على تمجيد شخصيات ولا نلتفت لسلبياتها، وكأنها خارج نطاق البشريّ، ومن هنا تتراكم بمرور الوقت الدوافع المعجبة بتلك الشخصية فتتحول إلى مقدّس حتى لو أنكرنا هذا، أي أننا نحولها من شخص إلى شخصية، وبهذا يكون النظر إلى هذه الشخصية ينبع مما راكمناه في لا وعينا..ويبين انه لو كان التراكم سلبيا فهي شخصية لا إبداع لديها ويكون إلغاؤها من أولياتنا وكأنه قربان للإله، وأما لو كانت إيجابية فيكون الدفاع عن كل حرف من منجزها واجب وكأن فيه شفاعة لا تختلف عمن يمارس ضرب رأسه بالسيف أو السكّين لنيل شفاعة وَلِيّه كما يزعم..ويتساءل فرات:هل يخلو مبدع من نماذج كتابية ضعيفة وأخرى متوسطة؟ بكل تأكيد لم يخل حتى المتنبي من هذه النماذج، ولكن التطرف هو مَن يُلغي أو يُؤلِّهُ، بل عند بعض "المثقفين" يتحول إبداء وجهة النظر المختلفة إلى طعن بالذات والكرامة، ولم استغرب وأنا أتابع ما يجري، أن قرأت لشخص كان قد أبدى رأيا سلبيا للغاية بشاعر من أهم شعراء الحداثة العربية أمامي، بينما حين مات الشاعر راح هذا الشخص يكتب ثناء عجيبا على فقيد الشعرية العربية، وكَرّرَ الأمر لاحقا، وهذه حالة منتشرة للغاية في وسطنا الثقافي، وهي مسحوبة من الواقع، أي محاربة الشخص أو إهماله وحين يموت يبدأ الثناء عليه، فثناء "المثقف" بحق شاعر مات، كان ذات "المثقف" قد ألغاه واستخفّ بشعره، هو تصرف شخص خلع وعيه الثقافي وتماهى مع منظومته الاجتماعية كما يتماهى الحَمّال والفلاح والكاسب والتاجر ورجال الدين العادي..ويوضح :ليس التطرف نتاج ثقافة قروية، إنما هو نتاج دكتاتوريات وحروب ومجتمع يتعرض للعنف والإقصاء أيضا. مجتمع لم يعرف الاستقرار السياسي والاقتصادي لفترة كافية ينتج فيها جيلا لم يتعرض لتقلبات السياسة وحماقات الأنظمة والرعب من الغد. جيلاً يتعلم في المدارس كلمات الشكر والاعتذار والاعتراف بالخطأ والاحتفاء بإبداعات زملائه ويتشرب العمل الجماعي، لا يتعلم ثقافة الصورة وتأليه الأشخاص

الانجاز البشري
ودعا الشاعر عبد الحسين بريسم اولا الى الاتفاق على ان لا مقدس في المشهد الثقافي لان النص ومنجزه ﻻ يتعدى كونه نص ابدعه انسان قادر انسان اخرى على تجاوزه والتاريخ في الابدع يشهد وهذا ﻻ ينتقص منه بل يمكن ان يتطوره وبتجاوزه بإبداع اخر في نفس الجنس وثانيا ان الاختلاف لا يفسد وان كان نقدا لاذعا او مصوبا او حتى الفاء..ويضيف ان المنجز بشري وكاتبه بشري وهدا قابل لزوال والتحول والأبدع في مجالات الثقافة ماهي إلا صناعة مدينة وان جاءت صناعها من القرى ولكن مفهوم الابداع لا يلبس مفاهيم القرية لان لكل مقايسه وانظمته ولابد ان يكون الوعي والإدراك اكبر من ان نحصر مفاهيمنا وعلى محدودبة المكان والشخص لان الفضاء اوسع وأرحب واكبر من المحدود..ويشير الى انه لابد ان يكون الوعي للمشتغلين بالمنجز الثقافي هو الهدف ولا تخص الامر على الفاتي وإنما على اساس المنجز المتفرد الذي يكون نصا قابلا للتجديد والاستمرارية كما خلد يفر الابداع اعمالا خلدت في الشعر والنثر

الوعي الجمعي
الناقد أمجد نجم الزيدي قال : ان المثقف العراقي المعاصر هو جزء من مجتمع تحكم لاوعيه الجمعي منظومة ثقافية واجتماعية، من غير الممكن له ان يتخطاها بسهولة، حتى لو كان يتبنى طروحات الحداثة وما بعدياتها لان هيمنة المجتمع التقليدي عليه وعلى لاوعيه اكبر بكثير من تأثير هذه الطروحات، وذلك لانها قد تشربت بشخصيته الثقافية وتكوينها.زويضيف ان هذه الثقافة لا تظهر فقط من خلال اللغة التي يطرح بها هذا المثقف وعيه، بل انها تنعكس من خلال (اللغة الصامتة) كما يسميها احد الكتاب، اذ ان هناك انساقا ثقافية مضمرة تحكم شخصيته الثقافية ومنها اعراف المجتمع التقليدي التي تصهر تلك الشخصية في روح الجماعة..ويرى الزيدي ان هذه الجماعة تأخذ عدة مظاهر منها الجماعة الثقافية لأنه لا يكتشف ذاته إلا من خلالها لذلك نراه عندما يُمس احد رموزها او تُخرق احد سننها تتلبسه روح الشاعر الجاهلي الهجاء الذي ينافح من اجل هذه الرموز وهذه القيم..وبتصور امجد الزيدي فإن هذه هوة حضارية كبيرة يقع فيها اغلب المثقفين الذين لا يستطيعون ان ينتشلوا انفسهم ويعيدوا اكتشافها في ضوء الوعي الفردي وهذا ربما لا يتحقق إلا بانتقالة ثقافية كبيرة، كما حدثت في اوربا مثلا في زمن الحداثة، فكيف يمكن ان تدرب مجتمعا تقليديا ما قبل حداثي بحسب تعبيره على قيم ما بعد حداثية وهو لم يتخط بعد عتبة الحداثة ولم يرمي وراءه بيارق العشيرة، وهذا الامر صعب بتصوري، فكيف لمثقفنا ان يلغي كل تأثيرات تلك العشيرة الثقافية وقيمها، وهو يعد انتسابه لها مكسبا واستحقاقا، وكل تهديد لها هو تهديد له لانه لازال ينظر الى الثقافة بأنها فعل جماعي وليست فعلا فرديا..ويمضي بقوله : لذلك ينطلق في حواراته من هذا التصور ويحاسب الاخر على رأيه من خلال وجهة نظر الجماعة اذ يراه خارقا لسننها ومتجاوزا على رموزها فقط لانه عبر عن فردانيته وكسر طوق الجماعة وربما يشبه هذا التصرف ما قام به ذلك الذي طعن نجيب محفوظ وأراد قتله بتهمة الكفر وهو لم يقرأ ايا من كتبه لان روح الجماعة هي المهيمنة والمسيطرة..ويرى ان خير طريق لنتخلص من هذه الاشكاليات هو ان نحاول إيجاد الاليات التي تدلنا على اكتشاف فردانيتنا والتي سنتحاور بها مع الاخر بكل روح ديمقراطية.

العنف والضد
ويذكر القاص علي العبودي ان الثقافة بمعناها الجوهري تدل على رقي الفكر فهي ايضا سلوك فرد مع المجتمع وفق آليات مكتسبة او فطرية من قوانين وتجارب لتتضمن معها المعارف والعقائد والأخلاق والفنون وبذلك يأخذ الفرد من مجتمعه منذ مولده عن طريق الخبرة الشخصية ومنذ الصغر سلوك وثقافة مجتمعه لتتشكل ثقافة من صميم هذا المجتمع سواء كانت سلبية او ايجابية ومن خلال التجربة والتعلم تتكون لديه ثقافة يستطيع عن طريق هذه الخبرات تقويمها لتكون لديه ثقافة اخرى مضافة تسمى مكتسبة ويعتقد العبودي ان العنف في اي مكان يصنع الضد سواء بالمعتقد او بالسلوك الاجتماعي ضمن اي جماعة تريد لنفسها السلام رغم كل التحديات التي تفرضها الحروب حولها وقد نجد استبدادا يفرض اراء على حساب سلوك جزء من المجتمع ان لم يكن كله لذلك تولد داخل الذات صراعات قد تكون مدعومة بأسباب منطقية لدى البسطاء من المثقفين من يتسبب بإظهار قرويته او نزعته الانتمائية دون اللجوء للمنطق او العقل وفق ثقافته المكتسبة والتي تحمل فكرا مدنيا مما تجده ينزاح الى (مهاترات) تقود الى الفوضى. وهذا سببه ان القسوة او العنف نجده حينما تفتقد البيئات الى العدالة والمساواة وعدم وجود حريات بمعناها الحقيقي، مما يعكس عدم وجود الثقافة احيانا في سلوك بعض المثقفين بسبب العنف الذي استمدوه من البيئة التي يوجد فيها عنف وقلق سياسي..ويشير الى ان كل الاديان السماوية وخاصة الاسلام علمتنا التسامح والمحبة لا التعصب او الكراهية لأنه رسخ فينا (الاسلام) ثقافة اصيلة وان نعتمد على العقل والمنطق لا الاختلاف على فروع بل ايجاد الاصل وايقاده نورا في الاذهان وبطبيعة الحال الابتعاد عن اجواء بيئة تجعلك قويا بلا قوة عقلانية او عاطفة بلا قلب..ويبين ان علينا ان لا ننطق بشيء مبتكر دون الاعتماد على المصادر الحقيقية وعدم اخراج نصوصا من سياقها الديني او التاريخي بشكل سيء وليس له اتجاه نحو الايجاب واصل النص مما يسبب في زرع ثقافة العنف والرجوع الى البداوة ويتيح اليه ان يشرع الى دمار مجتمع بني على ثقافة رصينة نريدها كل حين..موضحا ان الثقافة الرصينة رسالة نريدها كي تتحرر الذات من شوائب التخلف والارتكاز على رقي الفهم للحياة ولذلك علينا ان نوثق سلوكا للأجيال بشيء ممّا تعلمناه من اخطاء لا نريدها لها فهي مرآتنا ان عرفنا كيف نترجم لهم السلوك الصحيح.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية