جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » حوار


الروائي الأفغاني خالد حسيني: لا أجري بحوثا مسبقة لأعمالي ، كلّ ما أفعله هو انّني أكتب ما سبق أن تمثّ


ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي
خالد حسيني : روائي و طبيب أفغاني الأصل يحمل الجنسية الأمريكية و يقيم حالياً في الولايات المتحدة. ولد حسيني في العاصمة الأفغانية كابول عام 1965 لأب مسلم معتدل يعمل دبلوماسياً في وزارة العلاقات الخارجية الأفغانية و أم تعمل مدرسة للغة الفارسية في مدرسة ثانوية للبنات، و انتقلت عائلته عام 1970 إلى إيران ثم عادت إلى أفغانستان عام 1973،
و في عام 1976 انتقلت العائلة إلى باريس بعد حصول والده على وظيفة دبلوماسية في السفارة الأفغانية هناك و لم يكن بمستطاع العائلة العودة إلى أفغانستان بعد انفجار ثورة نيسان 1978 و صعود حزب الشعب الديمقراطي للسلطة، و بعد وقت قصير من الغزو السوفييتي لأفغانستان طلبت عائلة حسيني اللجوء السياسي الى امريكا وحصلت عليه و استقرّت في مدينة سان خوسيه- بولاية كاليفورنيا - وفيها أكمل حسيني دراسته الثانوية ثم حصل بعدها على شهادة البكالوريوس في البيولوجيا عام 1988 تمهيداً لدراسة الطب الذي حصل على شهادته عام 1993 من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو. مارس حسيني الطب على مدى عشر سنوات و نصف السنة حتى نشر روايته الأولى ( عدّاء الطيارة الورقية Kite Runner ) عام 2003 حيث قرّر بعدها - على أثر النجاح الهائل لروايته – أن ينصرف عن مهنة الطب و يتفرغ تماماً للكتابة. نشر حسيني بعد روايته الأولى روايتين لاقتا ذات الانتشار : ( ألف شمس رائعة A Thousand Splendid Suns ) عام 2007، و (و ردّدت الجبال الصدى And The Mountains Echoed ) عام 2013.
لم يعد حسيني إلى أفغانستان حتى عام 2003 و قد بلغ الثامنة والثلاثين ويعلق على ذلك أنه"شعر كما لو كان سائحاً في وطنه الأم"، كما قال في حوار معه لاحقاً"إنه شعر بذلك الذنب الذي يجتاح الناجين بعد موت معارفهم لأنه استطاع مغادرة أفغانستان قبل الغزو السوفييتي و ما تلاه من حروب مدمّرة لاحقة".
يقول حسيني في وصف أوضاع أفغانستان عندما كان صبياً :"لم أشعر يوماً أن أختي ريا Raya قد عانت من تمييز ما بسبب كونها انثى، و إن العاصمة ذاتها كانت حاضرة نامية متدفّقة بسمات كوسموبوليتية فاتنة".
تتّسم أعمال حسيني بأنّها أفغانية خالصة تتناول حيوات شخصيات أفغانية بالبحث و التدقيق في جزئيات محدّدة : ففي روايته الأولى"قائد الطيارة الورقية"يتناول الصداقة بين صبيّين من كابول تتعقّد العلاقة بينهما و تنقلب علاقة إشكالية خطيرة، و في روايته الثانية"ألف شمس رائعة"يتناول حياة إمرأتين أفغانيّتين مع عاشقيهما في مواجهة ثلاثين سنة من الرضوخ في ظل حكومات مضطربة، و في روايته الثالثة"و رددت الجبال الصدى"ثمة حكايات عديدة متداخلة في عمل واحد : أخوة ينفصلون عن بعضهم مبكّراً ثم تكون لكلً منهم قصة و مسار مختلفان عن الاخر.
هذه مقاطع منتخبة من حوار مع حسيني ظهر في موقع ( Goodreads ) الألكتروني في حزيران 2013.
في روايتك الأخيرة ( و ردّدت الجبال الصدى ) ترصد الكثير من تفاصيل المجتمع الافغاني كما فعلت في روايتيك الأوليّتين. كيف يمكنك التعامل مع التأريخ الأفغاني الذي لم تختبره على الصعيد الشخصي ؟
•قدمت إلى الولايات المتحدة عام 1980 رغم أنني غادرت أفغانستان عام 1976 حيث مكثت مع عائلتي لأربع سنوات في باريس. المادة التي أكتب عنها تغطّي فترة الحرب الاهلية الأفغانية خلال التسعينات التي أعقبت الغزو السوفييتي و صعود حركة طالبان، و ما كتبته يعتمد بالأساس على المقالات القصيرة و الحكايات التي سمعتها من الأفغان المنفيين الذين غادروا أفغانستان أو من خلال معلوماتي التي استقيتها من زياراتي لأفغانستان بعد عام 2003 حيث توفّرت لي فرصة الجلوس و الاستماع المباشر إلى حكايات الناس الذين حكوا لي ما الذي فعلته الميليشيات المسلّحة بالحياة في كابول بعد صعود كفّة طالبان، و كيف كانت أجواء الحياة في حقبة الاحتلال السوفييتي في الثمانينات و قد إستخدمت هذه الحكايات كأساس لتوفير ما أراه خلفيةً مقنعة لرواياتي.

كيف تقارب حكاياتك : هل تفعل مثلما يفعل الصحافي أم أنّك تسجّل ملخّصات و ملاحظات لتبني على ضوئها رواياتك ؟
•كلّا. لم ألجأ أبداً إلى البحث المسبّق، و كلّ ما أفعله هو انّني أكتب ما سبق لي أن تمثّلته في روحي. ذهبت عام 2003 - كمثال لما أقول – إلى أفغانستان بدافعي الذاتي المحض و أردت أن أتعرف الى ماجرى في العقود السابقة و بالأخص في جانب البعد الإنساني للحكاية التي كنت أنوي كتابتها آنذاك، و قد ظل الكثير ممّا سمعت من الحكايات في ذاكرتي و منذ ذلك الحين و أنا كثير التردد إلى أفغانستان عن طريق عملي الرسمي مع وكالة الأمم المتحدة للاجئين، و في جميع زياراتي تهيّأت لي فرص ثمينة للإنصات لحكايات صارت لاحقاً بمثابة العمود الفقري لرواياتي.

عندما تشاهد - كل مرة تزور فيها أفغانستان هذا القدر الكبير من المعاناة، هل تشعر بالذنب لأنّك غادرت البلاد مبكرا ؟
• لاشك في هذا، و أرى أنني كنت الشخص الأكثر حظاً القادم من البلاد الأقل حظاً في العالم و أحسب أن لديّ ذات التجربة التي لدى إحدى شخصيات رواياتي : الطبيب و إبن عمّه اللذان يعودان إلى كابول و يتملّكهما شعور عصي على الوصف عندما تقترب الطائرة من كابول و هي ذات المدينة التي ولدت و تعلّمت فيها المشي و بواكير القراءة. بعد ان عدت الى أفغانستان عام 2003 كنت أمشي في الشوارع و أرى الناس و أتحدث معهم بلغتهم و لكن هذا لا يمنع من أنني كنت أرى نفسي بينهم لا منتمياً outsider : كان بإمكاني الشعور بهذا و كان الأفغان يكادون أن يشموا ما أشعر به بشكل مباشر، فقد كانوا يرون فيّ كمن كسب مسابقة اليانصيب الجيني بسبب أنني ولدت في عائلة لأبوين مثقّفين قيّض لهما أن يغادرا البلاد في الوقت المناسب قبل ان تجثم عليها كوارث الاحتلال و الحروب المدمّرة. هناك إحساس ما بالذنب فربما لم يكن المرء يستحق المستقبل الجيد الذي حظي به و هذا هو الأساس و الدافع في كل ما كتبت عنه.

ربّما كان هذا هو السبب وراء إختيارك الكتابة عن موضوعات أفغانية خالصة. هل ترى في هذا نوعاً من ردّ الدين لبلدك ؟
•كم كان بودّي ان أعطيك جواباً نزيهاً و دقيقاً. كان في إمكاني ان أقول لك : نعم، و لكن هذا لن يكون جواباً صادقا أبداً. أنا أكتب لأنني لا أستطيع مقاومة الرغبة في الكتابة : فقد أكون مفتوناً بحكاية أو شخصية أو حالة و ليس بوسعي أن اتركها تمرّ وبعدها أبدأ التساؤل ما الذي سيحدث و كيف ستتطوّر الاحداث ؟ و ما الكشوفات التي تحققها هذه الاعمال بخصوص حياة الناس، و هذه هي بالضبط عناصر عدّتي الكتابية. يمكن للكتب أن تكون نوافذنا على العالم و أن تخدم للتقريب بين البشر رغم أنني عندما أكتب لا أفكر أبداً أن أمد جسرا على الفجوة بين العالم الغربي الذي أعيش فيه و البلاد التي قدمت منها، كما انني لا أريد ان اكون معلّماً لأحد و لكن يحصل في العادة ان تكون هذه الأمور نواتج عرضية byproductsلفعل الكتابة.

يبدو أنك تبذل قدراً مفرطا من الجهد عند كتابة اعمالك. كم من الوقت تمكث في"جحر الارنب"عندما تنطلق في كتابة عمل ما ؟
•يحصل أحياناً انني أقضي ستة أسابيع لأكتب 75 صفحة ثم أكتشف بعدها أنها لا تصلح فألقي بها في سلة المهملات ثم اعود إلى نقطة البدء من جديد بعد ان أكون قد عرفت ما هو الخطأ في المحاولة الأولى، ثم أختار مسلكاً مغايراً عن الأول و أمضي في عملي.

واحدة من أهم ميزات اعمالك هي الجرعة المفرطة من الهزّة العاطفية التي تنشأ عنها. هل تعاني الماً ما عند كتابة اعمالك ؟
•ما لم يختبر الكاتب ذات الألم الذي تعانيه شخصياته الروائية فلن يوجد  قارئ ليختبر هذا الألم عند قراءة الرواية و أعتقد في هذا بكل صدق : فإذا لم يهتز كاتب ما وجدانياً بمواقف شخصياته فلن يهتز قارئ ما لما يحصل لهم. إذا قال لك قارئ ما لرواياتي بأنه اهتز وجدانياً لأسبوع فاعلم أنني عانيت مثلما عانى مضاعفاً مرات عديدة لأنني في الغالب أمضي سنتين أو ثلاثاً في كتابة أي عمل من أعمالي، و كل شخصية فيها تعيش معي يوماً بيوم و تستحيل جزءً من حياتي ، و لا زلت أذكر التجربة المرّة التي عانيتها عندما مات (بابا Baba ) في روايتي الأولى"قائد الطيارة الورقية".

لو أنك مكثت في أفغانستان و لم تغادرها، هل كان بوسعك أن تنجز الاعمال التي أنجزت ؟ ما الذي علّمتك الحياة في الولايات المتحدة فيما يخص الحياة في أفغانستان ؟
•وجهة نظري في هذه الموضوعة هي وجهة نظر أي أفغاني منفيّ : لو أنني مكثت في أفغانستان و كانت لديّ موهبة ما في الكتابة لكتبت اعمالاً بالتأكيد و لكنها كانت ستكون مختلفة عمّا كتبت حتماً. وجهة نظري اليوم هي وجهة نظر الماكثين في الشتات Diaspora من اللذين إبتعدوا عن بلدانهم و لكنهم كانوا على الدوام موسومين بتأثيرات بلدانهم و لو على البعد و هذا ليس شيئاً خاصاً بي فالكثير من الكتّاب كانت لديهم تجربة الكتابة عن بلدانهم من بُعد رغم انهم غادروها و مكثوا في المنفى اكثر بكثير ممّا فعلت و لعلّهم لم يعودوا لبلدانهم أبداّ منذ أن غادروها.

كيف أمكنك توظيف السرد الأنثوي بكفاءة مميّزة في رواياتك رغم أنك نشأت وسط مجتمع ذي نزعة هيمنة ذكورية قاسية ؟
•راودني هذا السؤال كثيراً عندما شرعت في كتابة روايتي الثانية"ألف شمس رائعة"و قرّرت منذ البدء أنه لن يكون ملائماً أن اتخيّل كيف يكون الأمر لو كنت امرأة بل الأفضل هو ان أفهم ذاتي و هو الأمر الذي سيساعدني لفهم جوهر الشخصية التي كنت أنوي الكتابة عنها : ما الذي تخافه هذه الشخصية بصرف النظر عن خلفيّتها الجندرية  ؟ ما الذي تريد تحقيقه ؟ ما رغبتها العظمى في هذه الحياة ؟. عندما أفهم كل شخصية : ماهيّتها، إحتياجاتها الأساسية، مخاوفها، شغفها.. س,ف أتمكن من عرضها  بطريقة أكثر صدقاً و مقبولية رجلاً كانت أم امرأة.

روايتك الأولى"عدّاء الطيارة الورقية"هي النافذة الأولى التي أطلّ منها الأمريكيون على الحياة الأفغانية و تأريخ أفغانستان الحديث. ما الذي ترى فيه خطأً فادحاً في التصور لدى الأفغان فيما يخص الأمريكان اليوم ؟
•أعتقد أن من أهم الأخطاء الشائعة هي أن الأفغان ينظرون إلى الوجود الأمريكي على أساس أنه إحتلال، فهذا هو عكس الواقع تماماً، بل على العكس أعتقد أن الكثير من الأفغان ينظرون بتعاطف كبير إلى وجود القوات الأمريكية و قوات حلف الناتو و يرون فيهما قوة موازنة برغم بعض السلوكيات الخاطئة أحياناً نتيجة عمليات القصف الناجمة عن الغارات الليلية من جهة و الإفتقار إلى الحساسية الثقافية الملائمة للأوضاع الاجتماعية السائدة في المجتمع الافغاني من جهة ثانية، و لكن مع كل هذه الأخطاء يبقى ثمة فارق كبير بين طريقة تعامل الأفغان مع الامريكان و بين طريقة تعاملهم مع السوفييت من قبل إذ ليس من مجال لعقد أية مقارنة. يقال أحياناً في الصحافة أنّ أفغانستان قابعة في جبّ الظلمات الذي يمتد إلى القرن الثاني عشر و لكن هذا يتناقض تماماً مع ما رأيته : أرى في أفغانستان اليوم أمة ناشئة تضم 55% من السكان الذين هم دون سن الخامسة و العشرين، و أرى التقنيات فيها - و بخاصة في ميدان الاتصالات البعيدة و التقنيات المعلوماتية - تتصاعد على نحو إنفجاري إذ يوجد ثمة 12 مليون هاتف خليوي، و أرى أجيالاً تتواصل مع العالم الحديث عبر التعليم و التكنولوجيا و أرى صحافة حرة أيضاً، و لا يتفق ما لمسته مع المشاهد السائدة عن بقاع نائية في كابول تنتشر فيها منازل بائسة غارقة وسط الطين و تتمشى فيها نساء ملفّعات بالبرقع.

× أخبرنا شيئاً عن طريقتك في الكتابة ؟
•عندما أنشغل في كتابة مخطوطة ما،  أوصل أطفالي أولاً إلى المدرسة في الثامنة صباحاً و أعود لممارسة بعض الرياضة ثم أجلس إلى طاولة الكتابة عند التاسعة و النصف صباحاً. أكتب في العادة على جهاز الكومبيوتر في مكتبي الصغير و أواصل الكتابة حتى الثانية بعد الظهر حيث يتوجّب عليّ الذهاب لجلب أطفالي من المدرسة و حينها أصير أباً بوقت كامل وحينها لا أعود أفكر بكتابة أي شيء.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية