جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » حوار


الروائي احمد خلف: أدعو الى تطوير الرواية من الداخل لا أن نفرض عليها قوانين وموضوعات فوق طاقتها


حاوره :علاء المفرجي
لقاؤه الاول مع الشاعر الكبير مظفر النواب هو الذي وجهه نحو الكتابة والأدب وقد تنبأ له بمكانة في هذا الميدان، وكانت خطوته الاولى في مسيرة الابداع القصصي والروائي عام ، قصة بعنوان (وثيقة الصمت) نشرت في ملحق الجمهورية عام 1966،
وفي عام 1969 نشرت قصته الشهيرة (خوذة لرجل نصف ميت) في مجلة الآداب البيروتية وقد حظيت باهتمام النقد الأدبي وعنايته أعدت عن أدبه وفنه القصصي والروائي عدد من رسائل الماجستير وكتبت عنه عشرات الدراسات والبحوث وترجمت بعض قصصه إلى عدد من اللغات الحية.. الروائي والقاص احمد خلف الذي يعد احد اهم الاسماء الادبية على مدى اكثر من اربعة عقود من مسيرة الابداع العراقي، وكان لمنجزه دور مهم في المشهد القصصي والروائي العراقي والعربي.

*  لنبدأ بسؤال غير تقليدي، مالذي يشغلك الان؟
- بعد مرحلة تقاعدي عام 2006 تفرغت إلى عالم الكتابة ولم أبحث عن عمل آخر ولم التحق بأي عمل عرض علي، بل فرغت نفسي لهذا ((العالم)) الذي لا بديل عنه، وأدركت منذ زمن طويل أن ما يحتاجه المبدع الجاد في عمله، الوقت بل المزيد من الوقت لينتج (يقرأ كثيراً ويكتب قليلاً) وما كان يعوزني سوى التفرغ الكلي، وعليه فأنا منذ فترة مضت أنجزت كتاباً بعنوان (الجمال في مدياته المتعددة) بدأت العمل فيه منذ عام 2010 وقد أصبح جاهزاً للطبع هذه الأيام، والكتاب عبارة عن مجموعة نصوص تتضمن سرديات تختص بموضوعات متعددة، كشوفات ورؤى وقراءات لنصوص الآخرين، أما اليوم فأنا عاكف على مراجعة عدد من المقالات والنصوص الأخرى التي كتبتُ اغلبها بعد عام التغيير 2003 والكتاب جاء بعنوان (مذكرات الدرويش) ويمكن تلخيص جوهره أو مضمونه، في انه : رؤية مثقف وكاتب للذي جرى ويجري قبل، وبعد مرحلة التغيير وهو مجموعة انطباعات ومشاهدات عيانية أو ما رواه الثقاة عن الذي حصل في العهد السابق للناس وما جرى لهم بعد ذلك العهد، ولقد نشرت عددا من نصوص (مذكرات الدرويش) مثل: صباح الخير أيها المتحف الوطني.
وعادة حرق الكتب، وغيرهما.
* هل ثمة قاسم مشترك بين: الجمال في مدياته المتعددة وبين مذكرات الدرويش خصوصاً وان الكتابين لم يصدرا حتى الآن؟
- لنتفق أن منجز المبدع لا يتجزأ ولا ينفصل عن بعضه، ولا مفر من دراسته أو قراءته على اعتباره نتاج حياة واحدة عاشها إنسان ذو وعي وثقافة. إن انحداري الاجتماعي وكذلك الطبقي وثقافتي التي تمتد جذورها في المراحل الأولى من ستينيات القرن العشرين، كلها تعمل كموجهات مباشرة وغير مباشرة لإبداعي الشخصي والجمال في مدياته المتعددة، اختص بعذابات الروح وبجمال الكتابة وجوهر الثقافة، انه كتاب يعتمد الكشوفات العقلية والتوصلات المعرفية لهذا الإنسان الذي نشأ في بيئة شعبية هي مدينة الحرية ثم تدرج في الحياة وعاش سنوات صاخبة وأخرى هادئة ودخل في إشكالات حياتيه مع الآخرين ولم يكن أحمد خلف سكونياً او خاملاً في اي يوم من الأيام، ودفعته حيويته ومخيلته الجامحة الى عشق الكتاب الثقافي لذا جاء الجمال في مدياته المتعددة تنفيذاً لهذه الرؤيا وذلك التصور، أما كتاب مذكرات الدرويش، فهو رصد عياني لهذا الواقع العسير الذي عاشه الإنسان العراقي خلال الثلاثين عاما وانعكاسها على مرحلة التغيير أو ما تركته السنوات السابقة لعام التغيير وما بعدها على ذلك الإنسان، واعتقد أن القاسم المشترك بين الكتابين، هو المؤلف نفسه، لغته ورؤياه وجوهر تفكيره وكذلك مرجعياته الثقافية والسياسية والاجتماعية، لا مفر من العثور على روح الكاتب في الصفحات التي يكتبها اليوم أو غداً.
* ألم تعد الرواية قادرة على استيعاب هذا النوع من الموضوعات التي تتحدث عنها في كتابيك القادمين: مذكرات الدرويش والجمال في مدياته المتعددة؟
- تتمتع الرواية كفن متطور بخصائص أسلوبية تميزها عن بقية الأجناس الأدبية الأخرى، والرواية في حقيقتها لديها المقدرة المذهلة على احتواء ما هو ممكن أو ينتسب إلى الخيال والفنتازيا وعليه فان أي محاولة لإخراجها من جوهرها تعد (المحاولة) ضرباً من العبث والفوضى ولقد ذكرت في أكثر من مناسبة، أني أدعو الى تطوير الرواية من الداخل أي من داخلها لا أن نفرض عليها قوانين وموضوعات فوق طاقتها على التحمل، ومعظم الكتاب الذين أقحموا الرواية في عوالم غير عالمها إنما اخطأوا في تقديراتهم لها، لهذا، فالخطاب الذي يحتويه أي من الكتابين لا يمكن للرواية أن تحتويه أو تستوعبه، وربما سيضطر المؤلف إلى تجريد الكتاب من العديد من خصائصه التي تحيله بعدها إلى فراغ أو مجرد ثرثرة لا نفع منها، لهذا أيضاً، اسعي الى وضع الحدود الممكنة بين الكتاب الثقافي في الرواية كفن متعال.
* نريد أن نسألك عن تقييمك الموضوعي للمنجز الإبداعي والسردي الذي ينتج الآن من قبل الأجيال المختلفة.. نحن نسأل عن القيمة والأهمية، نعني فاعلية ما يكتب في مرحلة ما بعد التغيير؟
- عادة، في الانعطافات التاريخية الكبرى، التي تمر في بلدان العالم يصعب على الأدب الجاد مواكبة حركة المجتمع كما تفعل القصيدة أو الأغنية، ذلك لان طبيعة الأدب تأملية في الغالب الأعم، قد يفلت الشعر –القصيدة المغناة - والرسم إلى حد كبير من تلك القاعدة، ولكن تتجسد هذه الفكرة أو النظرة في القصة والرواية، التي لم تعد مجرد حكاية طويلة يرويها علينا شيخ أكل الزمن من ذاكرته الشيء الكثير، إن الرواية ذات تكوين معرفي وجمالي تتطلب المزيد من الوقت وكذلك التأمل في عناصرها المكونة لها، من شخصيات وأحداث وأماكن، وفوق هذا وذاك علينا أن نتأمل اللغة التي كتبت بها الرواية في مرحلة ما بعد التغيير، هل هي لغة واقعية صلبة العبارة؟ أم شاعرية، كل هذه العناصر ينبغي أن تدرس لكي نصدر حكما تقييمياً للمنتج الروائي في هذه المرحلة الضاجة بالتشوهات والتلفيق.
ولعل من بوادر التطور والتغيير في البنى الفنية والجمالية، ظهور أجيال جديدة بدأت تحتل أماكن لها في الواجهة، أنا هنا لا أتحدث عن الجيل الستيني ومن ينتسب له، إنما أتوجه في كلامي هنا عن الأسماء التي ظهرت واستمرت منذ الثمانينيات وحتى اليوم، وارى أن الكثير منهم يحمل روح المغامرة ومقدرة فنية يستطيع من خلالها ورود مناطق غير متوقعة بعضها مسكوت عنه في السياسة والدين والجنس، والكثير منهم حصل على جوائز ثمينة على بعض من اعمالهم الروائية والقصصية وان لم تكن الجائزة في أي يوم فيصلاً في الحكم على النصوص، إلا أنني أتابع باهتمام ما ينتجه الأجيال الجديدة ولا أقول الشابة وكلامي هنا واضح وصريح وعلى صعيد الإبداع الروائي تحديداً.
* هل بدأ عصر الرواية العراقية؟ أم هي محاولات مخلصة لكي تحتل لها موقعاً بين الأجناس الأدبية، أم في طريقها لمنافسة الرواية العربية.
- القول بعصر الرواية العراقية وفي هذه المرحلة تحديداً يعد أمراً مبالغاً فيه.. الرواية العراقية لها عمر ليس بالقصير إذا وضعنا نصب أعيننا (جلال خالد وقد صدرت في عام1929) وهي أول رواية عراقية حسبما اقره د.عبد الله احمد وآخرون، والرواية العراقية أيضاً لها ما يؤهلها إلى أن تتقدم المشهد الإبداعي كما لها من الأسماء المهمة ما يكفي للقول: إنها غدت ظاهرة أدبية وإبداعية ذات خصائص عراقية وعربية ايضاً، ورغم هذا الذي قلناه عنها، لا يمكن لنا المجازفة بالقول، إنها في عصرها العراقي، كلا، أن كلمة عصر تعني أن الرواية أخذت سمتها العصرية ليس من تراكم الزمن أو ما أحرزته فنياً وجمالياً وتعدد ألوانها وأشكالها، أي أن الرواية الآن تتحرك بما أنجزته من تنوع سردي وهذا أمر اشك فيه، بل أرى أن كل المحاولات الجادة للروائيين تؤهلنا للقول الصريح:
- إن الرواية العراقية قد تجاوزت سن الرشد بخطوات تؤهلها للدخول في منافسة حقيقية مع قريناتها في الأقطار العربية، وان الأيام والسنوات القادمة ستمهد الطريق أمامها لتصبح ظاهرة عربية لا يمكن للناقد العربي إهمالها كما يحصل الآن في اغلب الدراسات والكتب والروايات العربية، لذا فأنا أدعو دائماً إلى الإكثار من النصوص الروائية، لأن في ذلك تهيئة القاعدة المادية التي تتطلبها حالة التطور والتقدم المرتجاة للرواية العراقية.
* يغلب على مؤلفاتك القصصية والروائية الاهتمام بموضوعات الجنس والسياسة ضمن بؤرة اجتماعية رازحة تحت لافتة الجور والاضطهاد.. لماذا هذا الميل إلى موضوعات كهذه؟
- من الأمور المتفق عليها في علم الاجتماع، هو ارتباط الإنسان بمحيطه وبيئته الاجتماعية التي تربى عليها وفيها أيضا، وهذا ينطبق على الكاتب الذي لا يستطيع التخلص من هيمنة مرجعياته البيئية تلك، ويضع ارنست همنغواي مرحلتي الطفولة والشباب عماد وينبوع كتابات المبدع.. فإذا اجتمعت المؤثرات البيئية مع الخصائص الذاتية للمؤلف، سوف نجد تلك الدلائل الخفية التي أنشأت النص وكونته، لذا فالظروف الموضوعية التي عملت على تكوين كاتب عراقي معين هي ظروف ذات صلة حميمية به وبمؤلفاته، ومن ينشأ في دور وبيوت وحارات مدينة الحرية سوف يكون على صلة حقيقية مع الحياة وتجاربها المتباينة وما كان يعانيه الناس في تلك السنوات والحقب ترك أثره فينا بالتأكيد وقد امتزجت السياسة بالجنس وبالحرمان الاجتماعي في تلك المرحلة التي حاولت الحلم العظيم ترجمتها، بحيث تكون وفية لذلك العالم، وهذا انعكس ايضاً في رواية – حامل الهوى - وكذلك – محنة فينوس - وتجسد أكثر في رواية (موت الأب) التي حملت ثيمة مواجهة الكيان السلطوي ممثلاً بالأب الجاني الذي كان يريد السيطرة على كل شيء يدور من حوله.
* التاريخ وكذلك الأساطير والحكايات الشعبية، تمت الاستفادة منها في النصوص الأدبية، ولقد تلمسنا نحن قراءك اهتمامك بهذا الجانب، ما هو تعليل استفادتكم من المرجعيات القديمة؟
- ليست علاقتي بالتاريخ كمستفيد منه حديثة العهد (التاريخ تحديدا هنا) فقد كتبت في عام 1971 قصتين قصيرتين تستندان إلى التاريخ، الأولى بعنوان (الذهاب إلى سدوم) أما الثانية فقد كانت بعنوان (تاريخ البؤس) على أن التاريخ كان في القصتين ملحقاً بالنص وليس بؤرته الأساس، والاستفادة من المرجعيات التي أسميتها بالقديمة، شأن عالمي ولعلنا نتذكر دائماً ذلك الاستثمار الكبير في مجال الرواية والمسرح من كفاح طيبة لنجيب محفوظ إلى مسرحية دورنمات (روميلوس العظيم) او إعادة إنتاج مسرح شكسبير عصرياً، الاستفادة من جوهرها هي إعادة ضرورية لاغناء النص الحديث، وتعتمد في حالات النص القصصي والروائي على وعي شفاف، وهكذا ينبغي أن يكون الامر، إذ ليس من الصحيح كتابة المادة التاريخية او الوثيقة كما هي، بل ينبغي تطويع الوثيقة أو الحادثة التاريخية لصالح النص الحديث بحيث يكون الأمر أشبه بالصفحة الرقراقة التي نرى من خلالها روح النص وهي ترفل بمسلمات الحداثة ودلالات التاريخ أو ما يريد المؤلف الوصول إليه، ولتجربتي المتكررة في هذا الإطار استطيع أن اكتب عشرات الصفحات عن علاقتي بالتاريخ وضرورة الاستفادة منه، فإضافة إلى قصتيّ آنفتيّ الذكر (تاريخ البؤس والذهاب الى سدوم) هناك قصتا لعبة شطرنج التي أشاد بها العديد من النقاد ولعل من أبرزهم الراحل العزيز د.علي جواد الطاهر التي اعتبر استخدام التاريخ جاء نتيجة وعي بمعنى التاريخ وعقل مرهف حساس، ثم جاءت قصة (تيمور الحزين) التي كتب عنها العديد من الدراسات والمقالات وكلها تشيد بطريقة الاستفادة من التاريخ، ولعل الاستفادة تتطلب أولاً الاقتراب من المصدر أو المرجع الذي هو التاريخ، ينبغي للمبدع المؤلف أن يقرأ التاريخ قراءة منظمة ومتقنة لا أن يقرأ التاريخ بصورة كيفية أو مزاجية ثم دراسة تلك الواقعة او الحادثة ثم تحديد ماذا يريد ولماذا هذه الطريقة او النهج في الكتابة؟ انا شخصياً اتمنى العودة بين حين وآخر إلى استثمار التاريخ لان فيه طرقا ودروبا تدلنا على حقائق مذهلة خصوصاً إذا كنت تتمتع بخصائص فنية وتقنية وجمالية، سوف تراها كيف تمتزج مع روح التاريخ وتزيد من نكهته الخاصة المليئة بالمعنى.
* تعرضت روايتك – موت الأب - لمعضلة الاضطهاد السياسي عبر ما هو اجتماعي وتعاظم الجور فيها حتى كشف عن نفسه، هل كنت تأمل إدانة الطغيان بصورة مباشرة؟
- عادة، لا يميل الكتاب والمبدعون إلى توجيه النقد الصريح إلى المؤسسات أو الظواهر السلبية في المجتمع، كما أرى أنه ليس صحيحاً إدانة شخص بعينه أو مجموعة أشخاص في نص أدبي كتب ليبقى لا أن يرتبط بذلك الشخص أو تلك المجموعة كما أن الإدانة المسبقة تعمل على ربط الرواية بأشخاص لا مناص من كنسهم تاريخياً وإحالة ماضيهم وحياتهم إلى الظل الكثيف.
هذا الأمر ابعد ما يكون عن فكرتي الرئيسية في تأليف الرواية، ولما باشرت التأليف كان في ذهني عدد من تصورات عامة عن حالة الجبروت وانعدام الحرية وضياع العدالة ليس في هذا البلد بل في عموم العالم وليس في هذا الوقت بالذات، إنما عبر التاريخ بدءاً من ثورة العبيد في العهد الروماني بقيادة سبارتكوس أو القرامطة والزنج ثم الثورات الحديثة كل هذا السجل الحافل بالقتل والدمار غالباً ما يكون وراءه شخص يحركه يكون بمثابة الأب الطاغي أو الجاني أو الأب كلي النزعة الشمولي التفكير، ثم هناك الأحزاب والعقائد الكلية التفكير في السلطة، الحزب الواحد، والإرادة الواحدة وعسكرة المجتمع وأخيراً، التصرف الأهوج في استغلال السلطة والدخول في المزيد من الحروب خالية المعنى، هذا ما كان يدور في رأسي وأنا اكتب موت الأب، كان لا بد من استخدام وسائل فنية تخدم النص وتبعده عن المباشرة، فكان العمل على الاستفادة من الأساطير، ولعل ابرز أسطورة تمت الاستفادة منها هي - أسطورة قابيل وهابيل وما جرى بينهما - ولا اعتقد أن في الأساطير هدفاً مباشراً.. إدخال الأساطير والحكايات الشعبية كانت محاولة المؤلف الارتقاء بالنص من الواقعية إلى لغة تختلف من حيث توصيل الفكرة أو العبارة عن اللغة الواقعية التي سادت في بعض صفحات الرواية، وتأكيداًً للرأي الآنف الذكر حول لا مباشرة نقد الرواية إلى الواقع العياني، كتب الباحث الأدبي الأردني في كتابه (الأب/ في الرواية العربية المعاصرة، عن رواية موت الأب ص149 ما نصه: ((ولعل ما يعزز هذا القول ما جاء على لسان احمد خلف في رده على سؤال وجهه إليه خزعل الماجدي – هل كان الأب سياسياً؟ يجيب احمد خلف قائلاً:- كان الأب شمولياً ويرمز إلى السلطة السياسية، ولم تكن الرواية موجهة لشخص معين بل لظاهرة السلطة الشمولية)) إن استشهاد الأستاذ عدنان علي الشريم يؤكد الجواب والاستشهاد معاً على أني لم أهدف إلى إدانة مباشرة قط.
* في رواية الحلم العظيم، كنت احد الشهود على ما حدث في تلك المرحلة العنيفة (الستينات من القرن العشرين) إلى أي مدى يمكن للشاهد أن يكتب روايته؟
- تلعب تجارب الكتاب والمبدعين دوراً بالغ الأثر في تزكية هذه التجارب عبر نصوصهم القصصية والروائية، ولا يخلو أي مبدع من تجربة مركزية أو عدة تجارب تحفر بعيداً في وجدانه حتى إذا جاءت اللحظة التاريخية الحاسمة في تقرير مصير التجربة، يبدأ المبدع في استحضار مستلزمات عمله، من ثقافة ولغة وأسلوب وإدراك خفي بأهمية ما يعمل على انجازه ثم أننا نعلم، الدور الخلاق للوعي المرهف الذي يتمتع به الفنان المبدع المدرك لمعنى حياته وفنه، وهو سواءً أكان شاهداً أم فاعلاً أم وسيطاً بين جماعة وأخرى وربما مساهماً غير مؤثر في سياقات التجربة الاجتماعية التي سيطرحها الفنان/ المؤلف في عمل روائي لاحق، ذلك ما تحقق لي مع روايتي - الحلم العظيم - حيث كانت الحركة السياسية تمور بالغضب من سوء الأوضاع، وكذلك كان الشارع السياسي بصورة عامة يفرز المزيد من الظواهر والانشقاقات داخل الحركات السياسية، كنا في الستينيات من القرن العشرين من مدينة الحرية وكان عدد من المثقفين اليساريين الشباب المنتسبين إلى الحزب الشيوعي العراقي، كان بعضهم قد أعلن عن انتسابه للقيادة المركزية المنشقة عن اللجنة المركزية ولم يكن لي كمثقف شاب أي صلة عضوية بذلك فقط، إنما احتفظ (حتى الآن) بصداقات جوهرية لا تنفصم كصداقتي لحميد الخاقاني وعبد المنعم الاعسم وزهير الجزائري وجمال العتابي وعبد الأمير الركابي.. هذه صداقات بنيت في مرحلة النقاء السياسي والميل الملموس إلى كل ما هو أنساني وتقدمي في الحياة.. وفجأة وجدت نفسي أساهم بصورة غير مباشرة في ما يسمى بحرب الاهوار عن طريق الصديق عبد الأمير الركابي الذي كان عنصراً فاعلاً ومؤثراً آنذاك وبعد مضي أكثر من أربعين عاماً، تفجرت ينابيع التجربة واحتواها الوعي وبدأت تتململ في ذاكرتي ومخيلتي كل تلك الأجواء والمناخات المحتدمة. صحيح أنني كنت شاهداً، ولكنني لم أكن بعيداً عن الذي جرى في تلك الأيام بل معنياً تماماً بكل حركة صغيرة أو كبيرة، حتى أدركت في حينه أن علي المساهمة في شيء يخص السياسة أو الحياة اليومية، وقد كان ما جاء في الحلم العظيم تماماً.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية