جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » اعمدة


في فنية الفيلم


علاء المفرجي
- 3 -
مادة الموضوع وحدها لا يمكن ان تكون مؤشراً يعتمد عليه للنوعية في الفلم، ان على السينمائي ان يترجم موضوعه الى اشكال خاصة بوسيلته التعبيرية ووفق هذا المنظور، ستبدو رواية عظيمة مثل (الجريمة والعقاب) مجرد قصة عادية كما المح انطونيوني مرة-،
فعبقرية الرواية تكمن في كيفية سردها وليس في مادة الموضوع وهذه فكرة مضادة للادب كما يعتقد جانيتي- وهي تعزز ما اوردناه سابقاً بان عدداً كبيراًُ من الافلام الممتازة انما اعتمدت على نصوص ضعيفة.
ومصدر الافكار في السينما يُقدم كما في اي فن- من خلال الحقيقة الواقعية للحياة، هذه الحقيقة التي لا يمكن ان "تُستنفد".. ومن المناسب في هذا المجال ان نلجأ الى اراء دستويفسكي حول اقتناعه بان الافكار العميقة حقاً "تقدمها الحياة الاعتيادية (الجارية)" فمن ملاحظة تصدر عنه يقول "تتبعوا حقيقة من حقائق الحياة الواقعية، حقيقة لا تبدو بارزة جداً للوهلة الاولى، واذ كنتم تتحلون بالقدرة الكافية، واذا كانت لديكم عين تبصر، فانكم واجدون دون شك في هذه الحقيقة عمقاً لا نصادفه حتى عند شكسبير غير ان كل المسألة تتوقف على ما ياتي: في نظر من ومن الذي ستتوفر لديه هذه القوة؟ حقاً.. انه من اجل ان نلاحظ الحقيقة فقط فلا بد من فنان".. ودستويفسكي يرى بانه من اجل ان تحصل على افكار عميقة لابد من قراءة الصحف ففيها "نصادف عرضاً باكثر الحقائق واقعية واكثرها تعقيداً".. ولدى الفنان المراقب ليست القضية كما يشير دستويفسكي- قضية مادة، بل قضية عين، فان كانت هناك عين ستكون المادة حتماً موجودة "وقد ترى عين موضوعاً هناك حيث ترى عين اخرى مجرد تراكم".. فهي اذن قضية الانغمار كلية في "الحياة الجارية" والكشف فيها عن الدرامات الجديدة والعظيمة، وعن المعنى العظيم الذي لم يكن ما يماثله.
ان غوغول - يعتقد الباحث كوزينوف- اول من سار في هذا الطريق، الذي قطع فيه دستويفسكي خطوات عملاقة فيما بعد وقد اطلق دستويفسكي على غوغول اسم الشيطان الذي "صنع لنا مأساة فظيعة من معطف يفقده موظف"... بعد ذلك بقرن وفي مجال فن الفلم سيضع لنا "شيطان" الواقعية الايطالية الجديدة "جيزار زفاتيني" مأساة لا تقل فظاعة عن دراجة يفقدها عامل.
هذا الامر يعبر لنا عن الافكار العظيمة التي يمكن ان تخرج عن تفصيلة تافهة، فقط لو توفرت "عين الفنان".
وقد تجلت ثورة الواقعية الايطالية الجديدة بالتزامها بهذه الطريقة الفنية في الابداع السينمائي بشأن الفكرة، فمن الممكن خلق فلم كبير من فكرة بسيطة.. لذا فقد ارست هذه المدرسة دعائم الحل البصري للفلم وكرست اهمية العناصر السينمائية مجتمعة في تشكيل العرض المؤثر، واكدت على الجانب البصري وهو روح السينما- في عملية الابداع في فن الفلم.



المشاركة السابقة