جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » حوار


صلاح القصب: لايوجد مسرح عربي.. هناك تجارب مسرحية عربية


حوار/ تاتو
صلاح القصب مخرج من نوع خاص في المسرح العراقي والعربي،  مخرج مسحور بالوعي والحلم المتدفق والصورة المبهرة والفلسفية التي تاتي من اللاوعي فهو يبحث عن اشكاله للتجربة مثلما يبحث عن المضامين ويبحث عن صور للحركة،
فأشكال التجربة التي بحث عنها هي اشكال شمولية تلخص المشاعر وتضعها في معترك التعبير،
هي (الصورة) التي لم تكن شكلية جمالية،  وانما هي صورة فكرية معبرة عميقة تعتمد الخيال لخلق حمايتها وفكرها،  فالصورة هي الفن الأكثر فلسفة ،  والصورة التي نادى بها القصب في بيانه الاول تعتمد شعر الفضاء الذي يرى انه محاولة خلق انواع من الصور المادية تساوي صور الكلمات ومن هنا يتاتى موقفه من النص المسرحي فالقصب يبدو امينا جدا في الاشارة الى المصادر والثقافات التي درسها واستثمرها في تجربته الفنية والتنظيرية.
فقد اشار الى كل الذين اغنوا تجربته الابداعية (ارتو. بيتر بروك. ماير هولد. ساندا مانو. ريد هارت. سامي عبد الحميد) في كل المجالات الابداعية. ومن هنا يمكن تلمس القاعدة الصلبة التي يقف عليها القصب فتجربته المسرحية جاءت مستندة الى خزين انساني كبير.
النص المسرحي عند صلاح القصب لايخضع الى عمليات البحث عن الفكرة المرتبطة بالشخصية هذه الفكرة التي يسميها بـ(الحركة) التي يرى ان في كل نص عدة حركات (افكار)وهذه الحركات تكبر وتصغر حتى تصل الى السؤال الفلسفي الكوني ان من اليسير استخلاص (الحركات)من النص الذي اختاره للتقديم فهي الحركات الخارجية اما الحركات الداخلية فأنها تاتي مما اسماه بـ(عزلة المحاور) حيث ان لكل شخصية محوراً خاصاً بها يمثل عالمها الخاص الذي تحيا منه،  الربط بين المحاور يحدد الحركة الداخلية للنص. اما الشخصية المسرحية لديه فانها جزئيات منشطرة تتجمع لتكون الفكرة التي تؤثر على الأخرى ويقصد بالجزئيات،  الحالات التي تمر بها الشخصية لذا يمكن القول ان القصب ينظر للشخصية على انها حركة او.،  في هذا الحوار نحاول ان نسلط الضوء على تجربة صلاح القصب وعلى مفهومه لمسرح الصورة.

* كيف كانت البداية ؟
- البداية متعدده فصلاح القصب انطلق من فضاءات كثيرة، انطلق من الفن التشكيلي وانطلق من عظمة الشعر ومن الرواية التي هي من  مصادري الثقافية فالرواية عالم كبير في الخيال، الرواية هي المسرح وهي السينما، الرواية كانت لي منطلقاً كبيراً ومرجعية كبيرة اضافة الى الشعراء الكبار – رامبو – بليك – بودلير – ادغار الان بو –  هذه الثقافات المتعددة اضافة الى الفن التشكيلي،  كنت اتبع خطى  ابراهيم جلال ،  انطلق من الفضاء الذي يشعر به مثلما انت تتحسس الطقس فهو تحسسي غير علمي ومن هنا تكون  الاسئلة لماذا البحر غاضب؟ ماهي الموجة؟ ولهذا كانت تجارب استاذي ابراهيم جلال مهمة إضافة الى تجارب جعفر السعدي، هؤلاء يشكلون انطلاقة تجربتي.. حميد محمد جواد كان عرابي، كان هذا فضاء آخر وكلنا تلاميذ حميد  محمد جواد نقلنا من خلال حواراته ومن  خلال لغة معرفية لقد دفعنا بقوة فيزيائية، وكنا انا وشفيق المهدي على علاقة خاصة وحميمة معه،  فكان المعلم الكبير وبالضبط كان يعلمنا (يوغا  المسرح) علمنا هذا التداخل علمنا هذا الانتماء الى منطقة الخيال، الشعراء ينتمون الى منطقة الخيال لاينتمون الى منطقة اللغة صحيح هي لغة لكنها لغة تطفو في  فضاءات وفي قمم لاتستطيع الافلات،  من  هذه العوالم جئت الى المسرح متأخرا يعني كنت اريد  أن أكون تشكيليا أو بحارا، كان خالي يأخذني الى سينما دنيا و سينما مترو وسينما الرشيد وكنت ارى افلام –برت لانكستر  - في البحر، فانا احب البحر، كم  يبدو هادئا ولكنه مدمر، كم يبدو جميلا لكنه مخيف لا تعرف بأي لحظة يثور ولاتقدر ان تصادق  البحر ففي اي لحطة يصاب بالجنون، البحر يعجبني، وحينما قدمت للمسرح قبلوني في الدوام المسائي بحجة ان درجاتي لاتؤهلني للصباحي  والمقبولون في الدوام الصباحي درجاتهم اغلبها عالية، في الدوام المسائي اغلب الطلاب مثقفون في الفلسفة منير امير يتكلم في الرواية وصلاح حمدي في القصة واحمد فياض المفرجي في التاريخ وانا وسط هؤلاء، الفئة كانوا  اكثرهم موظفين وانا طالب عمري لايتجاوز 15سنة وكان هناك  ابراهيم جلال وجاسم العبودي  استمرت دراستي في المعهد خمس  سنوات،  ادركت خلالها ان الفن تعلم وليس موهبة وليست هناك كلمة اسمها موهبة،  عندما نبعث بك الى متحف اللوفر لمدة عشرين سنة ترجع لنا فنانا تشكيليا.

* نفهم من حديثك ان المسرح العراقي بدا تجريبيا؟
- دعني اقول لك ان ان المسرح العربي  بشكل عام مسرح ضعيف البنية، لايوجد هناك مسرح عربي،  هناك تجارب مسرحية عربية هنا وهناك، يوجد مسرح  فرنسي ومسرح انكليزي ومسرح بولوني، المسرح العربي غير موجود كل ما هنالك جزر صغيرة وسط محيط  كبير جدا هناك تجارب مهمة واهم هذه التجارب المسرح التونسي، وعلى مستوى التجريب(فاضل الجعيبي) ومستوى القراءة الجديدة - ففاضل الجعيبي في تونس- عزالدين  كنون - توفيق الكبالي في المغرب،  اضافة الى المسرح العراقي ايضا هناك قراءة مغايرة للمسرح ، فالمسرح العراقي مسرح متقدم عن محيطه العربي من خلال التجريب ،  فنحن نعرف جيدا ان العراق متقدم في الفنون التشكيلية و في الشعر وحتى على مستوى الرواية بالرغم من ان العراق ليس بلدا روائيا، ولكن هناك تجارب  روائية ومنجز روائي كبير لكن للاسف هذه التجارب لم يسلط الضوء عليها نقديا ولم تقدم للقارئ العربي بشكل جيد ،  وحتى على مستوى الصحافة والتراث هناك تجارب ومحاولات تريد ان تعيد هذا التاريخ المرتبط زمانيا وحضاريا وتحاول  ان تقربه الى القارىء
،  المشكله ان المسرح العربي يعاني من قصور في اوجه عدة ابرزها النص والاداء المسرحي عند الممثل ، فمستوى الاداء لدى الممثل ضعيف بشكل كبير جدا، تقليدي واشبه باجهزة استنساخ معطلة،  التمثيل عندنا  عملية استنساخ بائسة.

* وهل السبب في هذايعود الى المخرج؟
- السبب ان  الثقافة والفنون تحولت الى وظيفة يومية، وعندما تتحول الى وظيفة يومية يموت الابداع،  الممثل عندنا مايزال محلياً في ادائه ، المسرح  في العالم تطور بشكل كبير على مستوى الاداء والاخراج والتقنيات الفنية،  هناك فاصل زماني كبير بيننا وبين التجارب المسرحية في العالم.

*كيف يرى صلاح القصب الفضاء المسرحي العربي في ظل المتغيرات الثقافية الراهنة التي اجتاحت العالم وايضا في ظل الحروب واعادة صياغة خارطة العالم؟ 
- إنه غبار عاصف يجتاح مناطق الثقافة والفنون في هذا العالم،  لا بل إنني أرى كل المنجز الذي تحقق عبر سنوات وقرون ماضية قد تهمش،  ودخل ضمن أتونات حرارية مغبرة لا نرى منها إلا ظلالا ذكريات وألما،  ولم تستطع ذاكرتي حتى الآن أن تستوعب هذا الحزن،  وهذا الألم المتسربل بقمم لا نعرف أين سنصل معها،  وأين سترسو الذاكرة،  وأين سترسو الثقافة،  والمسرح خصوصاً.
لقد انتهى زمن التنظير وزمن الإبداع. تصحرت كل القراءات،  صحّرتها حضارة القرن وتكنولوجيته المدمرة،  فماذا نرى الآن غير قوافل من السحب منتشرة في سماء الثقافة. لقد تجمدت كل الخرائط وانحسرت. هذا الانحسار ليس محصوراً ومحدوداً أو محدداً في خريطة المسرح فحسب،  فما عدنا نرى الآن لوحات شعر جديدة،  ولم تعد هناك نوتات وسيمفونيات موسيقية كتلك التي دوزنتها قراءات باخ وبتهوفن وموزارت،  ما عدنا نتلمس فناناً تشكيلياً يسمو ويحلّق في فضاءات لا حدود لها،  فالعاصفة تقترب لتلاشي وتضبّب بعض ما تبقى من ذاكرة إنسانية في الثقافة العالمية.
نحن الآن بحاجة إلى ذلك الحريق الكبير الذي أحدثته حركة الانطباعيين التشكيليين في فرنسا،  فلا بد من أن يكوّن استيقاظاً جديداً وحركات تنظيرية جديدة،  حركه أشبه بحركة الرمزيين الذين أحدثوا زلزالاً في خريطة الشعر.

*  هل ترى أن هناك متغيرات جديدة  تلوح في الأفق يستطيع المسرح من خلالها ان يقدم صورة لازمة الانسان المعاصر؟
- أعتقد أنه سيكون هنالك زلزال يغير جيولوجية الفن وجغرافيته،  وهذا التغيير أحيله إلى «الكلاسيك»،  وسيكون هنالك فضاء آخر جديد،  ولكن زمنه سيكون متأخراً جداً،  لا نشاهد فيه التجارب المسرحية الجديدة التي تحركها المخيلة،  لا بل تحركها قوى بصرية لونية مدهشة،  ولكن لا يزال المسرح الآن سرمداً غارقاً في كثافة اللغة،  تهرب الموسيقى والغناء منه،  إلى عري وتفسخٍ للذاكرة والقراءة والإنسان على السواء.

* مسرح الصورة الذي كنت احد رواده والداعين له،  اين يقف من التجارب الجديدة للمسرح في العالم؟
- الصورة تجيء وتنبعث من اللغة كما في «جدارية» محمود درويش،  إضافة إلى الصورة المنتجة تقنياً،  وقد تفوقت الأولى على الثانية،  وكذلك تتفوق بأعمال دوستويفسكي وتولستوي وهمنغواي ونجيب محفوظ،  وقمم ادبية  أخرى كإدغار آلن بو و ماركيز وستاندال... تلك اللغة التي تحركت إلى ما بعد اللغة. إنها ما بعد المستقبل الآتي. إنها السنوات ما بين تلك المنجزات والزمن الآن. هذه المسافة الزمنية ما بين تلك القمم المتسربلة بالذهب،  حيث اللغة مملوءة بصور أكثر كثافة من الجمل والحروف. ونحن نقف الآن إجلالاً لذلك المجد الثقافي،  مجد ثقافة الصورة،  ونحن نطالع منجزات ذات تضاريس متداخلة ما بين جلالة اللغة التي تمتلك الصورة والإيقاع داخل القارئ.
نحن لا نقرأ دوستويفسكي ونجيب محفوظ وسواهما،  بل نرى عوالمهم التي سجلت إرثاً لا يزال في قمة الهرم على مستوى العالم،  فالصورة لغة،  واللغة صورة،  لا نستطيع أن نفك ذلك الارتباط المتداخل ما بين مياه المحيطين؛ محيط اللغة ومحيط الصورة. شكسبير ممتلئ وغارق في بحر ومحيطات عالم كثيف،  عالم أشبه بتلك الأطياف التي تلامسنا في أحلامنا الليلية. نحن نبحث عن هذه اللغة،  ذات الصهيل الذي يحفز كل خلايا المخيلة،  في نتاج برنارد شو وآرثر مبلر وتينسي ويليامز وآخرين... فاللغة شبيهة بغابات مزدهرة يشع من خلالها الجمال والصمت كأصوات الموسيقى إذ تشع بالنغم.

* نعود لمسرح الصورة  ماهي مرجعياته الفكرية والفلسفية؟
- ما يفرحني الاعتراف بهذا المسرح،  الان الندوة العالمية لمهرجان القاهرة التجريبي في 2010  خصصت  لمسرح الصورة وهي تجريب في مسرح الرؤى (مسرح الصورة نموذجا)وانا اعتز بشكل كبير ويجب ان تعتز الثقافة العراقية بأن تكون الندوة عن اتجاهات او التجربة التي جاء بها صلاح القصب، سيتحدث فيها مخرجون عالميون في المحور الثالث وكذلك مصممون في السينوغرافيا، مسرح الصورة هو ليس مسرحا ابتكره صلاح القصب ولكنه طور هذا الاتجاه،  مسرح الصورة هو تراكم معرفة وثقافة شعرية واستطاع ان يحول من منظومة ادبية الى منظومة بصرية، وكيف تتحرك فيزيائية البصر؟وكيف يتداخل اللون وتتداخل الحركة مصممون ولكن هذا لايعني انك تلغي النص بقدر ما تمنح النص زمنا آخر، مسرح الصورة تجربة عالمية، ولكن كيف فكر صلاح بالصورة؟وكيف فكر سعدي يوسف بالشعر؟وكيف فكر جواد سليم بالنحت؟،  مثلما وظف قاسم محمد التراث وهو متأثر بالطيب الصديقي  واستطاع قاسم محمد ان يقدم المسرحية الشعبية واول من ارتقى بالنص الشعبي، وقدم يوسف العاني بشكل آخر،  وقدم المحلة وقدم الشريعة وبغداد بشكل آخر، قاسم محمد عقلية اخراجية مهمة جدا، ثم جاء جيل من الشباب واهم هذا الجيل هو حيدر منعثر كيف تعامل مع المسرح الشعبي.

* في اي من مسرحياتك تجد تطبيقا لمنهجك في مسرح الصورة؟
- انا لاانظر الى اعمالي على هذه الشاكلة وكل اعمالي هي اشبه بالمدن،  مدن مختلفة  لكل منها رائحة مختلفة قطاراتها تختلف وسياراتها تختلف ومتاحفها ومعارضها، انا قدمت مدناً مختلفة ولكل مدينة لونها الخاص ومختلف لذلك تختلف المدن التي تضربها العاصفة  هناك مدينة لها قصيدتها الشعرية الخاصة، العمل الذي قدمته في اليابان –الاكليل -يختلف عن العمل الذي قدمته في بيروت لجان جنيه –الخادمات –  كن يعملن في غرفة،  انا قدمته في اسطبل خيول  العمل  في مدينة اخرى وقدمت فيها الازياء التي تتناسب مع  تلك المدينة.
، والجيل المسرحي  الجديد بدأ يضعف ويهزل  ودبت به الشيخوخة مبكرا، ولكن هناك مناطق وهناك عطاءات وهناك ومضات مهمة موجودة في رأيي على مستوى الابداع وايضا هناك ملامح جيدة مثل  ابراهيم حنون ومهند هادي ولكن هذه الاسماء  تحتاج الى ملاذ خاص، يحتاجون الى مختبرات ويجب ان نبعدهم عن المحلية المفرطة فهم يتحركون بطاقة متكررة وهي منطقة خطرة، أشار إليها – نيتشه – في العود  الأبدي قال- كل شيء سيتكرر – الان الحركة المسرحية عبارة عن هوامش وهذا خطأ لابد من ان يكون هناك اقتحام لابد ان تكون هناك حركة  انقلابية وجمالية وفكرية كبيرة.

* ما الذي نحتاج لكي نطور المسرح؟
- نحن للاسف لانمتلك مقومات المسرح واولها قاعات العروض، ، المسرح الوطني ليس مسرحا بل هو مسرح استعراضي وللمسرح الدرامي معمارية تختلف وانت لاتمتلك تقنيات انت تعمل بتقنية عام 1940 الان التقنيات تغيرت في  العالم، الان طريقة الاداء غير ذلك، الان علماء المسرح يعدون للمسرح جيلاً جديداً، يريدون ان يجعلوا من المسرح علماً جديداً، الثقافة والفنون خطان  يلتقيان وعندما يلتقيان سوف يصطدمان في جدار، وسوف نرجع مرة ثانية بنفس المسافة قبل مائة سنة من ذلك ليس هناك امتداد في الثقافة واذا كان هناك امتداد معناها سوف نرجع ونتكرر وللعلم ليست ازمة مسرح عربي بل هي ازمة عالمية، الان الموسيقى ذهبت وبدأت الاغاني تتلاشى الان نحتاج الى اعتدال  كلاسيكي عظيم علينا الان ان نرجع الى التأسيس الفكري، فالكلاسيكية هي ليست معناها المحلية، الكلاسيكية هي ما فوق الجمال اوما  فوق الطبيعة او المناطق الابعد علينا ان يكون هناك ارتداد والا سوف ينتهي كل شيء تتحقق  قراءة  نيتشة بان هناك استدارة،  والعلم فقط يتطور والاشياء الاخرى تتكرر وانت ترى ليس هناك حفل موسيقي وليس هناك -آيدن يكتب- ولايوجد موزارت- ولاباخ- ولايوجد تأليف موسيقي الان، ولا فنانون تشكيليون عظام مثل بيكاسو ولاتوجد طبقة الشعراء النبلاء اي الفرسان  الرائعين..

* بعد هذا التاريخ الطويل في التدريس الاكاديمي والجامعي، كيف يرى صلاح القصب واقع الدراسات الفنية في العراق؟
- يجب ان نحدد اولا  الفرق بين الثقافة والتعليم،  المشروع الثقافي لايخضع الى مؤسسات تعليمية بقدر ماهو حوار متواصل مع قارات العالم، نحن لانمتلك حوارا مع ثقافة العالم، يعني من خلال المؤسسات الثقافية من خلال الاكاديميات نحن نعيش عملية انغلاق كامل  وهذا الانغلاق  لايمكن ان يخلق لك فناناً تشكيلياً اذا لم يكن متجولاً في كل معارض بقاع  العالم، كيف  استطيع  ان اعرف الشعراء وجيل الشعراء اذا لم تترجم قصائدهم، الان المنهج المؤسساتي لايستطيع ان يخلق حركة يعني اتحاد الادباء لايستطيع ان يخلق لك شعراء، اذا لم يكن اتحاد الادباء ان يمتلك حواراً عالمياً وثقافة عالمية اممية الثقافة لذلك المؤسسات الثقافية  يجب ان تتحرك خارج مناطق العزلة  وتبحث عن حوارات مع العالم وترى ما الذي يدور هناك ، لماذا تكون هناك مؤتمرات سياسية واقتصادية ولماذا  لاتكون هناك مؤتمرات ثقافية عالمية، الان هناك جفاف وصار  الظلام  مخيفا لذلك لابد من ان يكون هناك حوار ،  من هم الشعراء على مستوى العالم من هم المخرجون السينمائيون بعد كلوز - وفلليني هذه الامور يجب ان نبحثها ربما بعد 10 سنوات او 15 سنة تنتهي مثلما انتهت الاغنية وذهب دور الموسيقى،  الان لانسمع سيمفونية، انظر على مستوى الاغنية هذه الخلاعة البصرية وهذا التمزق الثقافي الان، علينا ان نبحث وبالضبط مثلما يبحث العلماء عن دواء للسرطان، اذن ماهي العلاجات للثقافة الان على مستوى العالم وهذه المهرجانات المتكررة والبائسة ، انا اقترحت في تونس ان تكون المهرجانات مثل تنظيم بطولة العالم - الفيفا - للرياضة ويقام المهرجان في كل عامين وعلى الدولة المضيفة ان تقدم ملفاتها في ذلك، ماهي المسارح التي تمتلكها والتقنيات التي تمتلكها وما هي ثقافة الجمهور في تلك الدولة، الان يفكرون في عام 2020 اين تقام بطولة كرة القدم، انا ساذهب الى مهرجان متكرر كما في  السابق في بغداد ودمشق المهرجان تكرر وهي مهرجانات نزهة، يجب ان تكون الاختيارات صعبة والدولة التي لاتمتلك مسارح وعلى الاقل عشرة لا يمكن ان تقيم مهرجانات الا على الورث.

* يقال ان التجريب المسرحي في العراق بدأ مع حقي الشبلي وبالتحديد  من مسرحية يوليوس قيصر التي قدمها منتصف الخمسينيات في معهد الفنون الجميلة؟
- خلقت تجارب الرواد  اساساً لمسرح عراقي متطور الا ان هذه التجارب للاسف لم تدعم بمشروع ثقافي  متقدم بقدر ما كانت تعتمد على اللحظة و على العفوية، لذلك كانت هناك منطلقات تأثرية من خلال الدراسات الاكاديمية الحديثة من خلال معهد (كود مان تيتر) ومن خلال المسرح الفرنسي الذي تتلمذ عليه حقي الشبلي،  اولى التجارب التي ارادت ان تضطلع بالمسرح من فضاءات السكون الى فضاءات حركية، الى فضاءات تمتلك حسا جماليا، ولكن حس جمالي عفوي... هي تجربة حقي الشبلي وكانت في (يوليوس قيصر) ولكن لو رأينا الان هذه  التجربة  من خلال  توثيقها البصري،  فهي تجربة تكاد تكون مثيرة جدا، من خلال امكانياتها التقنية ومن خلال ثقافة الممثل الادائية فقد كانت ثقافة الممثل بسيطة لم ترتق الى الاداء الجسدي الى الاداء الجمالي بقدر ما كانت هناك مدارس تشخيصية اضافة الى ان هناك فقراً في المعنى السينوغرافي وفي المعنى التشكيلي،  كان المسرح يرتبط ارتباطا كليا بالجانب الادبي هناك خيار كبير في الجانب البصري،  علما ان التجريب يعتمد على الجانب  البصري،  لذلك جاءت التجربة في وقتها وظروفها،  في تلك الامكانيات كانت تجربة رائدة ومهمة وبعدها جاءت تجارب اخرى  مهمة وكانت اهم التجارب التي جاءت ضمن مساحات وفضاءات ومدن التجريب هي مدن ابراهيم جلال وكان يمتلك حسا جماليا  عاليا  ومتفوقا، وكان  هناك شيء يشغل ابراهيم جلال  هما كبيرا، وكان هناك حس تشكيلي في داخله  وكان هناك النشيد  الموسيقي وكانت هناك القراءة الشعرية وليست القراءة الشعرية بمعناها الادبي اي انه كان يمتلك مقومات الشاعر ويمتلك جينات الشعر داخل هذا الرجل حسيا وفطريا وانا اشبه ابراهيم جلال بالنحات الفطري وكان يعمل ضمن منظومة خفية وسرية وهي منظمة الجمال التي هي غير معلنة تكوينية وهناك شيء كبير جدا هو الاشتغالات والمنظمات الجمالية يعني ليس من مصادر جمالية اي لاتملكها العقلية التحليلية، وهي جماليات النص والاخراج ولكن لم يكن هناك بعد فلسفي وكل الدراسات الجمالية وكل التدفق الجمالي من الشباب مع صلاح القصب وجيل شفيق المهدي  وجواد الاسدي وهذا الجيل تحرك ضمن ثقافة مركبة ومتعددة.

* ما هو مشروعك القادم؟
مشروعي هو ريشارد الثالث،  ربما هذا المشروع ينتهي مثلما انتهت احلام كثيرة..ولكن لم يتحقق حلمه وكثيرا من العظماء لم يتحقق حلمهم، حلم ريشارد يسكنني اكثر من عشرين سنة، ومن خلال صديقي الرائع شفيق المهدي ابدى لي كل المساعدة وهذا رد على الاخرين انه لم تقبله المؤسسة، نحن نحتاج الى مؤسسة لديها دعم مالي كبير، وهذا اشبه بجدارية جواد سليم يعني لو تحقق هذا الحلم – ريشارد الثالث – هو اشبه بجدارية جواد سليم وانا اريد  ان احققه  في العراق وانا قادر على ان احققه خارج  العراق وجواد سليم حقق الجدارية في العراق وبدر شاكر السياب حقق قصائده العظيمة في العراق، الجواهري حقق تاريخه في العراق بالرغم  من انه بعيد عن العراق، انا بالنبسة لي اريد اول عرض لجمهور العراق هذا الجمهور الذي يحبني، جمهور الشعراء والاصدقاء هناك فراغ واين صلاح القصب وانت تعرف انا مخرج محترف ولااقدر ان اقدم عملاً بسيطاً والكبير يجب ان يرتقي زمنيا، يوجد هناك شيء وانبهار وتذكير وانا لااريد ان ابرر في الثقافة ليس هناك رجاء  وليس هناك استجداء والمخرج هو الفكر الجمالي والاجتماعي الكبير الثقافي ربما لم يتحقق لي هذا  واي مؤسسة وانا افضل مؤسسة غير حكومية لأن المؤسسة الحكومية لا تحقق هذا  المطلب وهناك عقلية تنتج ورغبة في تأسيس عرض مسرحي متطور  ربما يتحقق وربما يصبح مشروعاً يعيش في ذهني كأي حلم آخر  و الاحلام هي لذة مؤقتة  وانا اشعر بلذة الاستذكار الى ريتشارد حينما يكون معي وأفكر معه وربما يتحقق هذا اللقاء.

* حدثنا عن صلاح القصب الانسان.
- ولدت في بيئة شعبية وهذه البيئة الشعبية ولدت سياسيين كباراً وشعراء كباراً وهي محلة (قنبر علي)ومحلة الخالدية قرب منطقة السباع التي انعقد بها اول مؤتمر لاتحاد الطلبة، وانا من عائلة رياضية والدي كان من ابطال المصارعة العراقية المعروفين، كنا ناساً بسطاء، بيئة فيها طيبة وعلاقات حميمية كبيرة وهي مفقودة الان ولهذا كانت البيئة المدرسة الكبيرة لنا،  كنت ارى علاء الشبلي الذي اسس المتحف البغدادي كان يرسم على الجدران،  كنت  اشم في شوارع بغداد رائحة الرازقي ، وكنت احلم ان ابني مدينة شعبية ولكن بفضاءات اخرى وكنت احلم بان اعيد بناء قنبر علي مرة ثانية ولكن كيف لو ترجع تلك الازياء البغدادية، السدارة والسبحة وكيف يستخدمها  البغدادي عندما يجلس في المقهى وكيف يشرب الشاي، هذه هي بيئتي ثم انطلقت  وحاولت ان اكون فنانا تشكيليا وكان شفيق مهدي معي، ان كنت في- المدرسة المأمونية – وهي مدرسة  نموذجية  كانت  مدرسة الملك كان الطلاب كلهم اولاد المسؤولين، وكان معي نصير الجادرجي وابن وزير الدفاع،  قبلت في مدرسة المأمونية لكون ابي بطلاً ورمزاً معروفاً، وكنت ارى في المدرسة غاليري فيه  لوحات لفنانين عراقيين مهمين مثل فائق حسن اضافة الى المجلات العالمية وكنت ارى العالم والمعمار واللون والطبيعة وكان معلم الجغرافية  وهو مصطفى الساقي، ومدرس الرياضة كان نحاتاً هو صباح عابدين،  وربما كان يعجبني ان اصبح قارىء مقام وكنت اسمع ابي يسمع المقام، وكنت اسمع الاوبرا واسمع باخ واسمع حسين نعمة وكذلك يوسف عمر وناصر حكيم كانوا يشكلون عندي ومازالوا شيئا كبيرا استمع لزهور حسين وام كلثوم مثلما استمع لاي مغنية اوبرا في العالم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية