جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


عندما (يتأدلج) المائيون


محمد عطوان
بعد أن تصاعدت موجات نزوح مُلفتة للمعدان من عالمهم المائي تجاه عالم المدينة، في الفترة التي أعقبت الخمسينيات من القرن الماضي وسكنت هذه الجماعات مناطق خمسميل والنجيبية وكرمة علي، مع بقاء بعضٍ منها قريبا من المياه؛ ألَّف ساكنو هذه الأماكن حواشي المدينة،
وتبدت فيهم قيميا ـ فيما بعد ـ صور التدافع الاجتماعي بين ما هو ثقافي مديني وافد وبين ما هو ثقافي ريفي مهدَد بالزوال بشكل كبير عبر مخاض تعسفي قسري توَّلد عنه أنموذج تتزاحمه الأصالة والهُجنة.
لقد أُجبر أفراد من (الكرامشة والحمادنة والبوسليمي والبوعفرة والبطوط) على البحث عن كيفية جديدة تمكنهم من الاستمرار بصورة تلقائية.
كان معظمهم يجهل القوانين المدينية ويبحث عما يحصنه ضد تلك المجابهات ما دفعهم ذلك  إلى أن يدخلوا فيما بينهم في اتفاقات يلزمون فيها أنفسهم بضبط سلوكهم ومنازعاتهم على وفق تقاليدهم العشائرية القديمة، وكانت سرعة التمدن العراقي في حينها وامتداده عاملا أدى بسكان الريف إلى دخول البلدة، وبالتالي تماهى الاختلاف المميز بين القيمتين. كانت البلدات مدينية وينبغي هكذا أن تكون مختلفة كميا ونوعيا عن المناطق الريفية العشائرية التي كانت تشكل أغلبية السكان.
ونتيجة لذلك، ومن اجل العيش ابتداءً؛ احتاج معظمهم إلى إيجاد بدائل لعالم مُباد أو مهجور، فلم يكن أمامهم غير العمل المُتيسر في هيئة الموانئ والسكك كحمالين وبستانيين وعُمال حكوميين، بعد أن كانوا مربي جاموس وصائدي سمك وطير. وبالرغم من حصولهم على فرص عمل كهذه إلا إنهم أبقوا ـ في إطار المدينة ـ على ممارسة وظيفتهم الأساسية كمربي جاموس، حيث أنهم جاهدوا على أن يجلبوا هذا الجاموس معهم من الأهوار، وهذا أمر ذو صلة بذواتهم وعلاقتهم بالأشياء التي من حولهم، وكيفية المحافظة عليها وإدامتها، بُغية إنعاش معنى ما آخذ بالتلاشي عندهم. يقول ايمانويل رينو: الإبقاء على احترام الذات وتقديرها والاعتزاز بها أنماط وفرتها هويات جماعية كان من المحتمل أن يلحقها الغبن والضرر، ويشهد لذلك الألم في العمل والكدح، فالأجير عندما يتقمص المهمات التي يرتبط بها نشاطه الجديد في مرفق عام قد يفقد تقديره لِذاته، عندما تعيد مؤسسته الجديدة توجيه نشاطه نحو مهام جديدة. وكرد فعل على ذلك كان يُشاهَد إلى جانب بيوت هؤلاء الأفراد المشتغلين في المدينة حظائر لا حدَ لها مليئة بقطعان من الجاموس حتى السنوات الأخيرة من سبعينيات القرن الماضي، ولولا أن الجهات الحكومية البلدية أجبرتهم على بيعها، لبقي معظمها عامرا إلى اليوم، كان يلاحظ ذلك بكثرة حينها في مناطق خمسميل والنجيبية وكرمة علي.
ومن أجل متابعة درجات الحراك داخل المدينة؛ دخل أبناء عشائر المعدان المدارس، لم يستمر جلهم، لكن تمكُنهم من القراءة والكتابة فتح أمامهم بابا واسعا وكبيرا لتأمُل عالم آخر جديد خارج إطار عالمهم الابتدائي، وبذلك فإن التعليم الأولي لعب دورا في تشجيع اغلبهم على الانخراط الجدي في المجتمع، غير أن مقدرة فرد على الاختيار الحر غالبا ما كان يحركها نوع من الفردية، ولأن الجماعة الجديدة لا تستوعب رؤية أفرادها في إطار المدينة ينفلتون عن معاييرها ويمارسون (إغفالا للهوية) أو يتبنون أنظمة معرفية جديدة مغايرة لأنظمتهم السابقة دفعة واحدة، فأنها ظلت تُخضِع الأفراد عنوة لمعاييرها. ولذلك تحتاج الفردية هنا إلى قدرة عالية على التأثير في جسد الجماعة والصمود أمام انتقاداتها.
وكظاهرة معهودة إن في كل مجتمع تقليدي تميل الجماعة إلى المحافظة على ما هو كائن وهو ما يتنافى مع النزوعات الفردية التي يتمثلها بعضٌ من أفرادهم. إن التدافع بين القديم والجديد يقلل من حجم الجدية ويجعل من التحول الثقافي من التريّف إلى التمدّين صوريا. غير أن تنامي شريحة من المتعلمين مهد للالتفات إلى موضوعات جديرة خارج إطار علاقات الجماعة التقليدية، وإلى المساهمة التمثيلية ضمن متناقضات المدينة بوصفهم أفرادا فاعلين في عضوية اجتماعية.   
لعبت العوامل الاجتماعية (الاقتصادية، والدينية، والثقافية، والجمالية) دورا في تحديد سمات الأفراد السلوكية، وبالاكتساب، أثَّر العامل الديني المُسيَس على بنيانهم المعرفي، مثلما أثَّر العامل الإيديولوجي ذي الصبغة اليسارية في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات في توجيه عواطفهم ومدركاتهم الأولية وجهة سياسية من نوع مميز. لقد استُخدِم أغلبهم حزبيا كمادة تحشيدية داعمة للأدلوجات المناهضة للسلطة آنذاك.
امتد ذلك الاستقطاب معهم بدءاً من انتفاضات الحمالين في الخمسينيات وانتهاءً بتسعينيات القرن المنصرم عبر استجابتهم المحمومة لمتطلبات الانتفاضة التي حصلت في الجنوب (1991)، والتي لعبت محركاتها الدينية ـ السياسية دورا في دفعهم نحو المجابهة، وانخراطهم فيما بعد بوصفهم جنودا (جهاديين) داعمين للمرجعيات الدينية المتنامية، مع تراجع بَيِّن في المسار اليساري لمصلحة صعود المد الديني كاستجابة بديهية لتراجع اليسار عالميا وانكساره محليا.
لقد أخذ التنامي الديني يتجلى في السياسة من خلال انقياد جماعات متكاثرة (من الجيلية الثانية والثالثة التي قطنت المدينة) إلى الأئمة الدينيين الذين اغتيل بعضهم ما أسفر عن هذا الاغتيال تفرق شمل الأتباع بعد إجهاز سلطة البعثيين على تمركزهم.
ربما كان الأفراد الشبان المتبنون لتلك الخطابات يجدون في أسلوب حياة دينية صارم بديلا عن الخيارات الأخرى ويساعدهم على الانتقال من (ثقافة) ريفية إلى (ثقافة) مدينية حديثة، أي امتلاك أداة من أدوات الحلول في "المدينة" ويعطيهم إحساسا بالمصداقية والانتماء والانصهار، لاسيما حينما يتحدر جل من تدارسهم من مناطق بسيطة تفتقر إلى ابسط ممكنات العيش المدينية كالمأكل والملبس والمسكن والدخل، فهم من مناطق شبه ريفية وشبه مدينية، ممن عجز أفرادها عن تذويب ثقافاتهم والانصهار في ثقافة أوسع، فراحوا ينهلون من هذه الثقافة الريفية التي أنشأتهم أول الأمر ويلتقطون النُتف من تلك التي استوطنوها.
لم يستسغ ذلك التهجين الثقيل إلا القليل منهم، فبقي أغلبهم يعيش نوعا من الغياب والتغييب واستحضارا لما هو راسب وعتيق، ما جعلهم يعتاشون على نوع من الانتماء الفاصم للسلوك الثقافي في محاولة للقفز على كل ما كان يدعى انتماءً تاريخيا، سعيا لإيجاد بديل عن ذلك المركب الإجباري. لقد أخذ سلوكهم ـ تبعا للمتبنى الجديد ـ طابعا دينيا (أصوليا) أو إدراكا طوعيا من شأنه أن يقلل شيئا فشيئا من الألم الكامن في الصدور، وهذا النوع هو ما يشيع اليوم في الأوساط الاجتماعية الشعبية، وهو الذي لعب دورا مؤثرا في إعادة تعريف مفهوم الطبقة والانتماء الطبقي بتصنيفه الصِوّري في العراق. فالتدين عند بعضهم أصبح يقترب من الناحية القياسية من مرتبة طبقية اجتماعية، والتحزب بات يضعهم في منزلة وظيفية تمارس سلطة أبلغ من الوظائف الأخرى. وبالتالي لم يكن وازع انتماء هؤلاء الأفراد إلى الدين أو إلى جماعة دينية ـ كنتيجة ممتدة زمنيا ـ دينيا بالمعنى الاعتقادي بالأحكام التشريعية، وإنما كان يُمثَّلَ الإحساس الجماعي لديهم كـ (متدينين ـ مؤَدلجين) حاجة غريزية وجودية حاسمة في معيوشهم، ما يدفعهم ذلك ليس إلى العنف الاجتماعي وحسب، بل إلى الكراهية للمختلف دينيا أيضا.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية