جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


سر من راى الملكات


صبري الحيدري
"أين الطفل الذي كنته
هل ما يزال في داخلي أم رحل؟
لِمَ امضينا كل هذا الزمن ننمـو
ألكي نفترق؟"

بابلونيرودا
الملكة خيرية
سكنت دربونتي العريضة، في البيت الأول، لازال هذا البيت قائماً مودعاً بإسرار الصبا الأول، يقاوم الريح والمطر والاعوام، كانت خيرية بلون الحنطة، لامعة ونظيفة وبراقة، هكذا ستظل تعيش في مكامن الروح، نلعب معاً على سطح بيتنا، مفرطين بجذل الصبا، تقفز على حبلها المركون ابداً فوق بلاط السطح، تزعق وتصيح مع كل حركة، حين تطير في الهواء، لا يمكن لي ردها إلى الأرض، ولما نضجت حبيبتا العنب في صدرها، جن جنوني، فعملت لها طبيباً وهي المريضة (هل يؤلمك هنا؟!) كزت عن إسنان وضاءة، وبدأت تتشكى (نعم، هنا!) وبدأت معها، أكافح رجولة ساذجة، لم تتقن زهو المحرمات، طالما حلمت بها، بدفء ليلها الساجي، بدفء ما منح لي ذلك الزمان، وأنا امسح تقويرة بطنها من فوق كأني المس الحرير، فيما بعد، تزوجت من أبن (نداف)، مدينتنا، الذي ظل يغطيها بالقطن والفراء، فسلاماً لغصن البان، التي ترهلت وأنجبت البطون.
الملكة جميلة
أذكر من جميلة، طفلة مثل العرائس الصناعية، أنهت المرحلة الابتدائية ثم حُجبت داخل البيت المائة متر، أنزوت لرغبة أخوانها خوفاً عليها من الناس والمدرسة والشمس، تقدم لها الخطّاب لكنها تود الاقتران بضابط في الجيش ! ظل مشروع زواجها معطلاً وهي تكابد بصبر شجاع زوايا وحيطان القمقم، ثم ظهر الضابط وأعلنت (زغرودة) في شارعنا، وزفت جميلة، لاعنة خلفها سرب الصراصير والسحالي والعناكب والادعية والتلاوات، ثم عادت، وهي لم تزل في شهرها العسل (هذه جميلة، كيف هان على الأخوة الأعداء أن يسجنوا الجمال في جحر الفئران!) كانت ترتدي فستاناً أحمر اللون، وحقيبة يد حمراء، وحذاء أحمر عال الكعب، ثلاثة ألوان تسير في شارعنا الفقير(شعرها الأصفر، وجهها الأبيض، فستانها الأحمر) والضابط يتبعها، بدا لي أن جميلة انتصرت بصبرها، على ذكورية بلهاء، أنها تتحسس الأشياء بنعومة صافية، لكن ليس خلف الستائر التي مزقت، يوم حاربت ـ لوحدهاـ فضيلة كاذبة، عاشتها بسوطٍ الهب روحها التي كانت تتقد لومضة خلاص. كانت جميلة أول فتاة عرفتها عن كثب، زحزحت التابو والمحرمات، وتفتحت كوردة فل.
الملكة شميم
ملكة مدينتنا بلا منازع، رمز التعددية العشيقة لهوانا المبكر، كرنفال جمال، حس التملك، شريكة صباي العذب، كنت أذهب إلى شارعهم لكي أشاهد شميم، وهي عائدة من عملها في أحدى شركات الطيران! لا يهمني الانتظار تحت ظهيرة يوم تموزي أو سماء تزخ مطراً، يشغلني التطلع إلى مقدمها في سيارة (التاونس) الزرقاء، أجلس عند رأس الدربونة، انشغل في كتابة أسمها واعمقه في التراب، في صباي دبجت لها رسائل كثيرة ما تجاسرت على أيصالها، أخشى غضبها وصدها الحميم، موطناً القلب أنها ستلين في يوم ما!! وتلتفت لي، أنا المحب القديم الذي يعيش صخب الوالد والذي ما لبيت له أي رغبة نفسية. أين هي شميم؟ هل مازالت على قيد الحياة؟ أذن لماذا لا أسعد برؤيتها بطلتها البهية، وأعود صبياً طافحاً بالطين والمطر والماء والتراب، لو ترجع تقاويم السنين إلى الوراء، منتظراً شميم التي هجرتني بلا ذنب، سوى أني كنت صبياً العب مع شقيقها (عمانوئيل) وهي دون العشرين!. 
الملكة اخلاص
طفلة البارحة التي (طيرتها) على الدراجة الهوائية، من الحقائق التي أقر بها أن اخلاص، وهي أخر العنقود، عاشت مرحلتين، في الأولى عرفتها شابة جميلة مكتنزة بالصحة وروح الشباب ، لها جاذبية آسرة وقلب شديد الحساسية، ضعيف أزاء الهزات، أكثر شقيقاتها حناناً وايثاراً، وأن كانت تخفي عصبية لا هوادة فيها نحو الأشياء، لازالت تنشر طيبة عذبة توزعها بسخاء، هي رشيقة القامة، حلوة التقاطيع، (انجليزية) المظهر، ذات مرة زارتنا في البيت، حزينة ترتدي فستاناً أسود من كلاسيكيات الستينيات.
مرحلتها الثانية متزوجة وأم لثلاثة أولاد مولعون بالحركة والصخب، يخيل لي أنها تعاني هزالاً عاماً ناتجاً عن حرصها الزائد(تعمل مدرسة تاريخ) هذه الحياة العملية، قد تبدو جميلة الطعم، لكنها أبداً لم ترحم اخلاص، وذلك بسبب الروتينية التي تقتل فينا جذوة الحماس والتمرد، لتحيل أشكالنا ، إلى اشكال قاتمة وحزينة ومتعبة، ظلت في فقدان مستمر وعجيب لروائها الجميل، هل تتغلب على محنتها، وتركب الموجة العاتية أو تتخطاها ، لتعود إلى اشراقتها العسل؟، أتمنى ذلك ولكن أيضاً للعمر احكام.
الملكة رجاء
المهندسة الناجحة التي يشرفني الانتماء البايلوجي لعائلتها، اللسان الناطق لعائلتها، غطت بكيانها الانيق ـ أن جاز التعبيرـ شبح الحزن الذي خيم على اسرتها، واستقرت سيدة من طراز خاص، قوية، صلبة، أمام تأثير المفاجآت غير السارة، أثناء مرض والدها وجدتها أكثر شجاعة وهي تحاول التخفيف عنه وتزيح المرض، كانت تزرع الاطمئنان في قلب والدها وهي تعرف انه سيموت بعد أيام! أنها لساعات طويلة في عصر بالغ القسوة يضج بالأطباء اللصوص والسماسرة والفوضويين ، وقفت رجاء بأنوثتها تذلل الصعاب، وتكبح رعاف سيران الهم والوجع بطريقة لافتة للجميع، بالرغم في ساعات الضيق تلمح لي ابداء هواجسها بشأن مرض السرطان الذي هو تمرد على الجينات الوراثية، ثم لتذرف دمعاً ، على والدها الذي مات في زمن الحصار، تحية أحترام لهذه المهندسة التي أكدت أن الشهادات العليا ليست حكراً على الرجال! ومن قال أنها حكر للرجال؟!.
الملكة مريم
جدتي لأمي، بيضاء الوجه، دقيقة الملامح، شلت عن الحركة، بعدها أنطفأ وهج عينيها، فقبعت داخل غرفتها الأسطورية الشحيحة الآثاث، لها مكانان تبعاً لمسقط الشمس ونزول الفيء ، أن تحركت فأنها تتحرك ببطء واحتراس، لذا كانت العصافير والكتاكيت تنام تحت ثوبها!! ظلت ترعاني زمناً فواحاً ما انقطعت عراه يوماً، صبياً أذهب لها جامعاً ما أدخره من يوميات قليلة، أمنحها عن طيب خاطر، مقبلاً خدها كبديل عن الحلوى، أشتري لها الكرزات واستخرج لها اللب لتأكله، يحلو لي حركة فمها الصغير الخالي من الأسنان، تصلي وهي جالسة ، لم تنقطع صلتها بالخالق حتى ساعة موتها، سمعت منها، أنها يوم تزوجت ، زُفت على نقالة خشب، محمولة على الأكتاف، وخلفها جموع الناس ترقص على انغام الطبول والرصاص الحي، وأن عريسها ، أنحنى على ركبتيه وهو يشبر، ويقبل ويمسح خده، بضفيرة صفراء تعدت المتر ونصف المتر! ماتت جدتي في عقدها التاسع، ذلك اليوم بقت الشمس محجوبة عن بغداد، وسماء الكرادة الشرقية ناصية بلون القير.
الملكة مديحة   
خالتي الصغرى التي غفوت في حضنها صغيراً. في زياراتنا القليلة لبيتها في القرية، كنت أشعر وأنا الآحق لسانها، أنها لازالت تعلن التعبئة العامة، أو الولاء لعادات وتراث قريتها، وهذا يشكل قيمة جمالية لوجودها وعيشها هناك، بالرغم من أنها تملك بيتاً في الكرادة، تكره زحام بغداد، في حديثها تفاؤل وفرح ولهجة (بصراوية) ملونة، كانت تطوقني بحرص على سلامتي وأنا أقف قرب نهر الماء(ستصاب بالزكام...حبوّب تعال!) حدثتني عن السندباد البحري، وبنت الحطاب في مفرداتها أنغام الجنوب، تثير مسامعي وأنا أردد في سري تشكيل كل مفردة تولد للتو!، تمتص حزنها بالغيبيات على ايدي قارئات الفنجان اللواتي تصدق كلامهن صدقاً لا جدال فيه، هذه الخالة ضمن أطار القرية لهي أكثر طفولة وبراءة من الأطفال! ولا يمكن أن تغتال طفولتها، مادامت ملتصقة هناك في (قبرها) مثل غصن أخضر يستمد عافيته وخضرته من قلبي، ومسقط رأسها ورحيلها الذي ليس أوانه في وادي السلام.
الملكة احلام
(سُرِّ من صبح بوجه احلام) هكذا تقول أمي، ذات صباح، ثمة برد يداعب وجهي، صحوت على خيرية، وقد دست هيكلها العظمي تحت غطائي، نرتكب قبلات لا حصر لها، أزاحت خيرية الغطاء، ثم نظرت من سياج سطحنا إلى أسطح الجيران، فجأة التفتت تؤشر لي أن أنهض، نهضت تلبية لاشارتها الرعناء، اشرت بسبابتها ثم قالت (أنظر...احلام مع جك النداف) رأيت لقطة سينمائية، رأيت فيما يرى النائم، مشهداً لا يمكن نسيانه (احلام مع زوجها جك النداف).
يتطارحان الغرام في غبشة الصباح الوارف، (حل وحليلته) في قبضة الزلال الحلال، فحش لذيذ ومقدس (ألم يكن الليل سترا لهما؟!) أحلام طويلة القامة، ممتلئة لحماً يشع بياضاً يربك الأبصار، بركة نور سماوية صافية، تضع فخذاً عارماً نشطا كالحليب ، على صدر زوجها وقد استوى لحركتها ، يود أن يكبح جماحها الصباحي، ونهض يعتمرها، أحلام هي السبب وزوجها هو البريء ، (ان كل حروب الوطن التي عشتها مجرد ضحك على الذقون، إلا حرب احلام فيها الكثير من الصدق والانتصارات والحب!).
كنا وخيرية نشاهد أجمل عناق ايروسي، واشرس ضمة شبق، بدت غريبة لعوالمنا الطفلية، زادتني احساساً بالظلم تمارسه خيرية ضدي، احلام، زرقاء العينين، شعرها اشقر، وجهها بيضاوي، فمها بقدر أظفر سبابتها، والجك قصير القامة داكن السمرة مثل قهوة مركزة، يواصل العوم فوق تخوم البحر الأبيض! مقبلاً لحما لدناً، رخصاً، مطواعاً، سلساً، جزلاً، حياً، وأحلام مستسلمة تماماً، أنه لمنظر خطير، مبهج، صعب، عنيف، كنا حيارى فاغري الأفواه والأعين ونحن نتلصص على البهاء والسخام، هل كانا يتقاتلان ولمن كانت الغلبة؟! فجأة ضحكت خيرية، ضحكة ملأت الاسطح كلها، بلغت مسامع احلام، انحل الالتصاق، لملم الزوج عريه واحلام غطت نورها الباهر، نكصنا أسفل السياج قالت خيرية (أنا أخاف من احلام!) قلت(أنا أخاف من جك النداف!) وكبحاً لخوفنا الذي استفحل عن حده، وكلانا فوق تنور أمي لم تسجر ناره بعد، قلدنا ما رأيناه ، محاولين تكريس ما رأيناه وقد باء بالفشل، كنا صغاراً بعد!، في نفس اليوم جاءت احلام لبيتنا، حطت كفها البيضاء على رأسي، وشوشت ضاحكة: من هي أحلى البنات؟ قلت احلام احلى البنات، وكنت اقصد: احلام أحلى الملكات.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية