جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » ثقافات


الشعر .. و التحرش الجنسي


عادل العامل
أصبح التحرش الجنسي ظاهرة عامة شاملة لمختلف البلدان، و الثقافات، و الأعمار، و الفئات الاجتماعية، بعد أواسط القرن الماضي تقريباً. و لهذا أسباب عدة، منها التغيرات الكبيرة التي طرأت على طبيعة المجتمعات العربية بفعل الانقلابات، و الحروب، و ثورة الاتصالات، و أورَبة أو أمركة العالم ، و زحف الريف على المدينة، و لخبطة القيَم الاجتماعية و التقاليد و الأخلاق المتوارثة بالتالي.
و قد ترك هذا كله تأثيره على نظرة الفرد و المجتمع إلى المحرَّمات، و ضوابط السلوك الاجتماعي، و طريقة التعامل مع المرأة، التي كان لخروجها نسبياً على المألوف، أو ما يسمّى بالمحتشَم، من اللباس و الزينة دور في اتساع ظاهرة التحرش، أيضاً. و هكذا، فما كان يُعتبر عيباً أو سلوكاً منحطاً أصبح جرأةً أو انفتاحاً أو تنفيساً عاطفياً، في أحسن الأحوال!
وإذا فهمنا أن التحرش الجنسي هو التوجه نحو طرف آخر أو استفزازه بكلمة أو إشارة أو فعل لغرضٍ جنسي، سواء كان هذا الطرف ذكراً أو أنثى، أو شخصاً بعينه أو شريحة عامة، فإننا نجد أن الأدب يزخر بأمثلة كثيرة لهذه الظاهرة.  و يمكننا اعتبار الشعر العربي سبّاقاً يقرون طويلة في هذا المضمار، ربما من أيام غزليات امرئ القيس، و الحارث بن حلزة، و طرفة بن العبد، الجريئة المكشوفة في العصر الجاهلي. و كان التحرش الجنسي آنذاك، شعراً أو فعلاً، سبباً في حدوث عداوات أو نزاعات أسَرية أو اجتماعية حادة، و ربما اشتعلت بسببه حرب ضروس بين قبيلتين أو أكثر!
و كانت الحال أخف وطأةً من ذلك في العصر الأموي، حيث جاء في أخبار الشاعر الفرزدق، مثلاً، أنه نزل يوماً في بني مِنقر، فجاءت أفعى إلى جارية من بني منقرٍ يقال لها ظمياء، فدخلت معها في شعارها ( أي ثوبها )، فصرخت أمها، وجاء الفرزدق فسكَّنها، واحتال للأفعى حتى انسابت، والتزم الجارية ( اعتنقها ) فانتهرته، فقال:
[ وأَهْوَنُ عَيْبِ المنْقَــــريَّة أَنَّها
شَدِيدٌ ببَطْنِ الحَنْظلِىّ لُصُوقُها ] !
فلما بلغ بني منقرٍ قوله أرسلوا رجلا يقال له عمران بن مرة، وأمروه أن يعرض لأخت الفرزدق ( أي يتحرش بها بالمثل )، فلما خرجت وثب فضرب بيده على نحرها، فصاحت، ومضى، فعُيِّر الفرزدق بذلك.(1)
أما شاعر التحرّش بامتياز آنذاك، فهو عمر بن أبي ربيعة، و كان، كما يقول ابن قتيبة، " فاسقاً، يتعرّض للنساء الحواجّ، في الطواف و غيره من مشاعر الحج "! (2) فكانت له مشاكل كثيرة مع أولئك النساء و أسَرهم و الولاة، و قد أُهدر دمه و تعرض للنفي في بعض الحالات. و من تحرّشاته تلك ما أورده أبو الفرج الأصبهاني (3)، عن عدد من الرواة، قال : لقيَ عمر بن أبي ربيعة ليلى بنت الحارث بن عمرو البَكرية و هي على بغلة لها، و قد كان تغزل بها، فقال : جعلني الله فداكِ! عرِّجي هنا أُسمعكِ بعضَ ما قلتُه فيكِ. قالت : أوَ قلت؟ قال : نعم! فوقفت و قالت : هاتِ. فأنشدها :
[ ألا يا ليلُ إنَّ شفاءَ نفسي
نَوالُكِ إنْ بَخلتِ فنَوِّلينــا
و قد حضرَ الرحيلُ و حانَ منّا
فراقُكِ فانظري ما تأمرينا ]
فقالت : آمرُكَ بتقوى الله و إيثار طاعته و ترك ما أنتَ عليه، ثم صاحت ببغلتها و مضت. 
و قد خفَّت وطأة العواقب المترتبة على التحرش الجنسي في العصر العباسي، لأسباب عديدة  معروفة، و أصبح له  نصيبه المستطرَف في أخبار الشعر و النوادر. و اشتُهر بذلك شعراء كثيرون تجاوزوا حدود ابن أبي ربيعة بكثير، منهم أبو نواس، و الحسين بن الضحاك، و والبة بن الحباب، و مطيع بن إياس، و شمل التحرّش آنذاك الجنسين معاً!
و من طرائف ذلك العصر في هذا الإطار أن رجلاً خرج ذات يوم  فقعد يتفرّج على الجسر ، فأقبلت امرأةٌ من جانب الرّصافة متوجّهةً إلى الجانب الغربي ، فاستقبلها شابٌ ، فقال لها : رحمَ الله علي بن الجهم ؛ فقالت المرأة : رحم الله أبا العلاء المعري ؛ ومرّا . قال : فتبعتُ المرأة ، وقلت لها : إن لم تقولي لي ما قلتما فضحتكِ . فقالت : قال لي : رحم الله عليّ بن الجهم يريد قوله :
[ عيونُ المَها بين الرصافةِ والجسرِ
جَلَبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري ]
وأردتُ بترحّمي على أبي العلاء قوله :
[ فيا دارها بالحَزنِ إنَّ مزارَها
قريبٌ ولكنْ دونَ ذلك أهوالُ ]! (4)
و ذلك على كل حال تحرّش جميل، ليت كل التحرشات اللاحقة كانت على شاكلته!
فقد رويَ في عصرنا الحديث أن أحد شعرائنا المعروفين في الأربعينيات أو الخمسينيات كان يشتري ملابس له في أحد المحلات، فسأل البائعة، و كانت جميلةً كما يبدو، عن سعر القميص و اللباس الداخلي و غيرهما، فأخبرته، فقال لها وفقاً للراوي :
[ هذا القميص و قد قبلنا سعره 
أما اللبـــــاس فنزِّليــــه قليلاً! ] (5)
و هكذا يمكن أن يجيء التحرش الجنسي في الشعر بطريقة التلاعب بالألفاظ و المعاني، كما في الشطر الثاني من البيت أعلاه. و قد يكون عن طريق المراسلة المباشرة، أو بصيغة " إياك أعني و اسمعي يا جارة "، الأكثر مباشرةً و الأوفر سلامةً للمتحرش! و ربما جاء التحرش الجنسي شعراً على نحوٍ ملطَّف و جميل و مقبول، كما في أشعار إلياس أبي شبكة، و غزليات نزار قباني، مقارنةً بأشعار حسين مردان الاستفزازية الصارخة، التي انتهت به إلى المثول أمام القضاء في بغداد عام 1950 بتهمة الخروج على الآداب العامة أو الذوق العام، و ذلك في كتابه ( قصائد عارية )، حيث يقول في إحداها، و هي أقلها " عُرياً "، في الواقع :
يا ابنةَ النارِ واللَّظى والضّرامِ ِ
قد سرى الحبُ صارخا في عظامي
فالصقي صدركِ الكبير بصدري
ودعينا في نشوةِ الأحلام ِ
أنتِ مسكينة ٌ لقد خدّروها
بحديثِ الخيالِ والأوهام ِ! (6)
_______________
(1)الشعر و الشعراء / ابن قتيبة
(2)المصدر نفسه
(3)الأغاني
(4)أخبار الظرّاف و المتماجنين / ابن الجوزي
(5)لست متأكداً من اسم الشاعر و دقة الشعر، فالحكاية من الذاكرة.
(6) قصائد عارية



المشاركة السابقة : المشاركة التالية