جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


تأملات قارىء شغوف ..صناديق زهرة الملح


محمود النمر
عالم الكتابة يزدحم اذا  كانت المخيلة  مزدحمة بالتصورات التي لاتخضع الى محددات محسوبة ضمن عمليات  الرصد  اليومي ،هذا العالم  الفسيح لايدخله،  الا  الانسان الذي يمتلك العصا  السحرية التي هي ( المخيلة ) والدخول في رحمها ، الذي اعتبره انا كمن ينطلق  او يتشظى متجها الى عدة  اهداف ضوئية.
ان هذه  العملية  هي القراءة  الى القراءة ، التصورات  داخل التصورات ،الدخول من عالم الخيال الى المخيلة ، او هي عبور آخر الى اللامعقول  من قبل  قارىء  معقلن، وهي عملية تصادم المعقول في اللامعقول او المرئي في اللامرئي او اشتباك المعنى  في اللامعنى ،او هي عملية الكتابة في القراءة ،يمكن ان يتحول القارىء الذكي  الى حَبك  اللعبة الكتابية مع المؤلف بحيث  تشتبك الرؤى ،  هي اذابة الشخصيتين في عملية  القراءة على ان يكون القارىء يمتلك الوعي داخل لعبة الخيال ، والخيال هو ارباك المحسوسات المدركة وغياب قدرة الوعي في الخيال، حتى يتمكن القارىء من القبض على المتعة او لذة القراءة والحصول على المعرفة القرائية والذوبان داخل النص الكتابي .
ان الكاتب  الارجنتيني  - البرتو مانغويل – في كتابه يمنحك قدرة الغوص والخيال في هذا المعنى ضمن – (يوميات القراءة )–  وهو من مطبوعات دار المدى للثقافة والنشر وترجمها عن الانكليزية    المبدع – عباس المفرجي – الذي امسك لعبة القراءة التي كان ينشدها – البرتو مانغويل – فاحدث هذا الارتباك المقصود من قبل المؤلف في عملية القراءة اليومية وقام بتثبيت المؤشرات المهمة في تسويغ اللعبة والاثارة ،وهنا يمنح المترجم نفسه لذة خلق النص في داخل اللعبة الكتابية ،فيعبر من لغة الى لغة اخرى ومن عوالم اكتشفها- البرتو مانغويل-الى صياغتها من جديد والولوج الى عوالم مختلطة يبعث فيها  الارواح الهاربة في اللغتين،فيصل الى صفة التسامي لبلوغ ذلك  الاشتباك الحاصل  في التأملات لعام من القراءة ،فهو يعيد الصياغات المرتبكة الى صياغات ايضا مرتبكة ،اذن هو شريك يقرأ النص ويخلق النص ولكن بطريقة التأويل كما يقول الفيسلسوف الالماني- هانز جورج غادامير- "ان الترجمة هي ذروة التأويل الذي يكونه المترجم للكلمات " في  كتابه "الحقيقة والمنهج " صفحة 506  وهذا يعني ان لعبة الترجمة استحكمت ادواتها، خاصة اذا كان المترجم اديبا، فهو  ينمو داخل  رحم النص بولادة جديدة .
يتخطى الكاتب البرتو مانغويل بتباه ٍ وانتباه استدلالي في يومياته القرائية  النصوص،ويسجل ملاحظاته ثم يعيد عملية الكتابة عن النصوص والمؤلفين برغبة الدهشة التي تدفعه الى الاعلان  بصفة هذه الامكنة والشخوص والقراءات ليخلق منها عالمه المدهش ويشكل تكوينات بنائية وخرائط تمثل( إنسكلوبيدياensclopidia  ) يمكن  ان نطلق عليها  موسوعة معرفية للمدن  والمعالم والشخوص فهي بقدر ما تمنحك متعة القراءة اللذيذة في اسلوبها الشاعري السردي تعطيك بعفوية اسماء ادباء وفلاسفة  وازمنة وأماكن وحتى اسماء جامعات ونباتات وحيوانات  ومدن من –بوينس  آيرس مرورا بمدن كثيرة حتى يصل الى تورينو للقاء كتـّاب كنديين  ،  ولتثبيت عوالم يومية مؤشرة ،يعبر من عالم الى عالم ومن كاتب الى كاتب، يقول الكاتب والمترجم عباس المفرجي في مقدمة  الكتاب "هناك كتب نتفحصها بمتعة ناسين  الصفحة التي قرأناها ،وما ان ننتقل الى الصفحة التالية ،وكتب نقرأها بخشوع دون ان نجرؤعلى الموافقة او الاعتراض على فحواها ،واخرى لاتعطي سوى معلومات ولاتقبل التعليق ،وهناك كتب نحبها بشغف ولوقت طويل ،لها نردد كل كلمة فيها لأننا نعرفها عن ظهر قلب ".
ان اليوميات القرائية  جاءت قصيرة جدا في مفصلها اليومي فالكاتب لايستطرد طويلا في عملية السرد فهو يختزل الجملة والمضمون ،فانك قادر ان تغادر ايام واسابيع في قراءتك اليومية فلا تشعر الا بالمتعة لانك تنتقل من يوم الى يوم دون ان يصيبك الملل .
يستذكر بعض المدن المفضلة لديه / فينيسيا / هوربات /مدريد / ادينبرغ / بولونيا / إستانبول / بواتيه / سيليستات / اوسلو / بوغاتا / تيرادنتس /الجزائر /سانت جونز .
ثم يكتب ثيمة الزمن المعلق / بيوي كاسارس "اليمين الكاذبة للثلج " / جميس هلتون "الافق المفقود " / كوبو آبي " امرأة من الرمال / بيرّو "الجمال النائم " / واشنتون ايرفنغ " رب فان فنكل "/  الفونسو ال سابيو " خرافة الطائر الغريد الذي جعل المئة عام تبدو وكأنها لحظات قليلة في لاس  باتيداس.
ويشير البرتو مانغويل  الى الامكنة التي  لايمكن مغادرتها / ليو بلوي "اسير لونغجيمو" / بونويل " الملاك المبيد " /سارتر " الابواب المغلقة " / هانز  كريستيان  اندرسون " ملكة الثلج " / تينيسون " آكل اللوتس " .
اما الامكنة التي لايمكن بلوغها : لورد دونساني " كاراكاسون" /سير توماس بولفنش " قلبي في هايلاندز " / سفر التكوين " يوكالي " / كافكا " القلعة " .
يقول المفكر محمد عابد  الجابري " اقرأ مادمت حيا ،شق لنفسك مسارا قابلا  للقراءة " كم تخلق القراءة مسارات للقارىء ومن هنا تبدأ الرهانات مع الذات لبلوغ ذروة الصيرورة التي تتم تشكلاتها في القراءة ،تفتح ابواب العوالم المغلقة للمعرفة ،واظنها ابواب تتبعها ابواب وهكذا لاتنتهي هذه العوالم التي تتوالد كلما تدخل الى عالم آخر تبدأ من جديد الى عالم  الدهشة  المتوالدة  داخل ولادات اخرى.
هذا الكتاب  يعطيك متعة الترقب والمشاهدة والمعلومة المدهشة ايضا ،وعباس المفرجي ترجم و وصل الى المعنى الظاهر والمستبطن في اعادة صياغة النص الادبي الذي يتناول كتاب يقترب من سيرة قراءة حصلت في عام لاحد الرواة العالميين ،فهو امسك بعقل الكاتب ومعنى الكتاب ثم  اذابهما  بلغة ادبية مكثفة ومبهرة ،كما فعل المؤلف البرتو مانغويل ،ونقدر ان نطلق على هذا الكتاب هو فن  كتابة النص بولادة اخرى .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية