جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


قراءة في "ترخيص بحرق الجسد"


إن إعادة إنتاج نص الشاعرة سوسن السوداني "ترخيص بحرق الجسد" المنشور في العدد "15" من "تاتو" ؛ أو قراءته؛ هو إعادة اصطفاف لمهيمنات هذا النص الأنثوي، الايروتيكي بامتياز. كما إن عملية إعادة اصطفاف المهيمنات ذاتها ؛ تشبه الى حد كبير وجوهري اصطفاف سقالات البناء خارج وداخل هيكل عمارة حديثة شاهقة.
إن تنقّل الشاعرة وعبورها من مهيمنة صغرى الى أخرى أكبر منها ؛ وصولاً الى المهيمنة الكبرى أو الهاجس المتسلط يعني في آخر المطاف الشعري قدرتها على اللعب البنياني بمهارة ثيماتيكية : جمالية، وفنية فائقة. كما يعني أيضا، تمكّنها من موضعة مشاعرها وأحاسيسها في صور شعرية غير نمطية أو تقليدية؛ جريئة؛ قلّ نظيرها في الشعرية النسوية العراقية؛ مما يسمح للقارئ المتمرس أن يبني توقعاته الموازية لأغراض الشاعرة ؛ دون الوقوع في دائرة الكَسْر والخذلان.
تُمسرح الشاعرة، في استهلال قصيدتها المذكورة، نواتها أو حركتها الشعرية الأولى ببلاغة حسية حادة؛ يتأرجح فيها : التمعني، والتدليل، والترميز مثل بندول ساعة جدار كبيرة بلا عقارب، منزوعة، عارية من عقاربها الزمنية المعتادة؛ لكنها تظل في الخفاء موزعة بين زمنين متجاذبين، الأول : زمن مخيالها الشعري الذي يسمح لها بعملية التمسرح ذاته. والثاني : زمن موضوعات، أو ثيمات التمسرح من شخوص متحولة، وزمكانية متوالدة،  ومناخات نفسية مركبة، وما تفرضه هذه المناخات من إنشطارات وإحالات وانزياحات تساهم مجتمعة في تشكيل المشهدية التي يساهم القارئ المتمرس في إعادة إنتاجها، وصوغ تمعنيها الدلالي والترميزي.
هكذا تبدأ استهلالها:
"وأنا اقطنُ شهيقكَ/ وزفيرُكَ/ لن يلفظَ أنيابي التي/  انشبتُها في رحيقِكَ/ سألجُ في ظلِّكَ/ وأنفذُ لثنايا روحِكَ ...."
يُمسرح الاستهلال بدء المخيال الشعري الذي قررت الشاعرة الاشتغال عليه؛ عن قصد وسبق إصرار ضمني. فبادئتها "وأنا" تعزز استرسالها في سرد، وتوصيف خطابها الشعري المٌضَّمر الذي باحت به ذات يوم إيروتيكي لم ينقض بعد، ليغدو فعل الاسترسال ذاته استرسالا في مشهدية شعرية متشابكة تؤكدها التداخلات النصية، أو التناصات الداخلية، أو الخاصة من جهة علاقة هذا النص "ترخيص بحرق الجسد" بنصوص سابقة للشاعرة، وعلاقة الشعرية التي تشتغل عليها الشاعرة ذاتها بشعريات أخرى؛ على مستوى العلاقة التناصية الخارجية أو العامة التي تتداخل نصوصها مجتمعة، مع نصوص أخرى تعود ملكيتها الإبداعية للإرث الإنساني : كالمرثيات، والترنيمات السومرية، والكتب المقدسة مثل : التوراة، والأناجيل، ونشيد الإنشاد، والقرآن.
ان واو الاستئناف التي جاءت قبل "أنا" جاءت توكيدا ضمنيا لاستئناف واسترسال المشهدية التي قامت بها "الأنا" ذاتها من أفعال؛ كما إنها توكيد ضمني أيضاً لاستئناف واسترسال التناصات الداخلية والخارجية على السواء.
إن خطاب الاسترسال ذاته، يفترض من جهة أخرى، استرسالا ثانيا من نوع آخر يمسّ جوهر البناء الثيماتيكي، والجمالي، والفني للشعرية التي تشتغل عليها الشاعرة سوسن السوداني؛ خاصة في نصها الأخير "ترخيص ..." . ففي هذا النص ثمة ترخيص ثان يخص احتواء، أو تملّك المعشوق ككينونة يبيحها أو يسمح بها تمسرح المخيال الشعري ذاته. فمسرح مخيالها الشعري الذي يستبطنها مؤثث منذ البدء على ازدواج العاشقة والمعشوق في إتحاد إيروتيكي  يلح عليه خطاب العاشقة كهاجس متسلط، مهيمن عليها، وموجه أساسي من موجهات رغباتها المعلنة والسرية.
ان الساردة التي ضميرها المتكلم "أنا" في النص الشعري "ترخيص ..." وهي تسرد حكايتها مع معشوقها الغائب أو المتمنى؛ تصف في الوقت ذاته حكاية حضوره المشتهى في لغة تؤكد استعمالها المزدوج؛ الموزعة بين فضائي أنوثتها الحاضرة وذكورته الغائبة؛ في خطاب واحد متماسك، ومتعاكس في آن واحد؛ ففي الوقت الذي تبوح "أنا" الأنثى بحكاية عشقها عبر سردها الشهرزادي الحديث الذي سنقف عند محطته بعد حين؛ تصف شهريارها الغائب وهو يتموضع من خلال توصيفات أنثى النص لرغباتها به ومشتهاها له؛ مما يجعل الرغبات  والمشتهيات تشكل؛ منذ الحركة الأولى للنص ؛ الثيمة الأساسية له.
يكمن سر التناوب في خطاب حكاية العشق الغائب، وهو يتموضع في سردها الموصوف ووصفها المسرود، كما يكمن سر استدعاء فحولته المتخيلة الناعمة وسط المناخ التخييلي، الانثوي، الخشن أحياناً، والسادي أحياناً كثيرة؛ ليس بسبب لا سويته؛ إنما بسبب سوية معيش كينونته في عالم غير سوي.
ان استدعاء المعشوق من غيابه؛ وجعله حاضراً شعرياً؛ يعني في آخر المطاف التحليلي  إستدعاءً لكافة اللوازم والتأثيثات التي جعلته، ودفعت به، الى الغياب الحسي، والحضور الشعري؛ ذلك لإن العلاقة بين الاثنين -أي الغائب الحسي والحاضر الشعري– هي علاقة إستدعاء، أو مُنادات للحسية الكامنة في شعرية سوسن السوداني ذاتها.
وإذا كان "هيدجر" قد قال في كتابه "أصل العمل الفني" : "اللغة بيت الكينونة"، فالعاشقة وهي تترنم بقولها : "و أنا اقطن شهيقك وزفيرك" لا تؤكد سكناها شهيق وزفير معشوقها حسب؛ إنما تؤكد في الوقت ذاته؛ سكناها في اللغة الشعرية التي تساعدها في التقرب من كينونة معشوقها ومعرفة دقائق خلجاته الحسية. 
تكبر الحسية التي لها، ولمناخاتها النفسية، سمة الخلجات؛ بالتوازي مع كبر، واسترسال الشاعرة في بناء المشهدية الشعرية التي قررت ألاشتغال عليها؛ فنجدها متلبسة في إيروتيكية من طراز خاص وهي تقول : " زفيرُكَ.. لن يلفظَ أنيابي التي/ انشبتُها في رحيقِكَ/ سألجُ في ظلِّكَ/ وأنفذ لثنايا روحِكَ/ من حيث تدري/ وربما .../ من حيث لا تدري"
إن العاشقة هنا، إضافة لاشتغالها على مخيالها الشعري الخاص، وهي تسرد أفعال حكاية عشقها كما أسلفنا؛ تصف،في المقابل، الآليات النفسية التي تتحقق فيها هذه الأفعال. فإن استعمالها للأفعال : "يلفظ"، "انشبتُها"، "سألجُ"، "وأنفذُ"، هو استعمال متزمن في الآن الشعري؛ يُسرب من خلال تزمنه؛ آنية محمولاته البلاغية وحدوثها في الآن القرائي. ففي اللحظة –للحظة القرائية قطعاً– التي تستعمل الشاعرة بها أفعالها المتزمنة تُموضع، في المقابل  السمات أو (الهوية) الثقافية؛ ليس  للأفعال ذاتها حسب؛ إنما للعاشقة التي ما زالت تقوم بهذه الأفعال، ولهذا كله؛ يغدو السرد سرداً واصفاً؛ هدفه الأساس إعادة تمثيل – بالمعنى الحسي المسرحي لا الفلسفي المجرد-  ومسرحة مشاعر، وأحاسيس العاشقة في خطاب هيدوني أو لذّوي ؛ مُفعم بالإيحاءات والرموز والدلالات الجنسية المليئة بالشبق والجوع والظمأ.
أن الشاعرة لا تمثل، ولا تمسرح تلك المشاعر والاحاسيس الشبقة حسب؛ إنما لتكررها ثانية والسماح للقاريء ذاته أن يلج إيروتيكيته، في الايروتيكية التي لمشهدية النص، فكانت الشاعرة تلجأ، منسابة مع موسيقى جوعها، وسط صحراء عطشها اليابسة : "بعد سنواتي العجافِ/ تأتيني وابلاً من الأمطارِ/  كيف تحتملُ صحرائي/ بذورَ النرجسِ والأقحوانِ" فيغدو الماء عندها؛ كمن يريد الماء : "أستحمُّ/ في ينبوعِ مياهِكَ/ وأضفرُ جدائلي" لتعمِّد ذاتها بأمواج أنفاس معشوقها الغائب : "أتعمدُ بأمواجِ أنفاسِكَ/ أفتحُ مغطسَكَ"، فالشاعرة عبر قناعها الفني "أنا" العاشقة الساردة لا تسترسل في سرد خطاب ظمئها؛ إنما خطاب الظمأ هو الذي يسترسل فيها : "استحم في ينابيعِكَ لأضفرَ شعري/ وأتنشَّقُ أنفاسَكَ بكاملِ درجاتِ اللذةِ" ويكتمل حلم المشهد الايروتيكي الأسيان؛ وتكتمل معه محمولاته اللذّيّة : "حلمتُ بأن السريرَ غارقٌ : بحديقةِ أزهارٍ، وبراعمَ، وزنابقَ بيضاءَ، وزعفران، وبنفسج، وحشائشَ، وأزهارٍ أرجوانيةٍ، وزهورٍ لطّخها ضوءُ القمرِ، وأشناتٍ مخمليةٍ، وظلالٍ، وأنغامٍ عابرةٍ، وأهلّةٍ تظهرُ وقتَ الغُرُوبِ، وطوابيرَ من نجومٍ" ويبلغ "نشيد إنشاد" الشاعرة سوسن السوداني ذروته : "حبيبي بشعْرِهِ المرميِّ في الريحِ، وبالزهورِ، وبشفاهٍ كنبيذٍ أحمر .../ عقيقٌ حاجبُهُ/ قاربني/ بشفاهِهِ وقبّلَ فمي، وأعطاني عنباً/ فالموكبُ الفخمُ لشهرزادَ/ يقتحمُ حديقةَ حلمي" . وبعد تلذّذها  بنشوتها المحمومة؛ في اقتحام الموكب الفخم لحديقة حلمها؛ تسكت شهرزاد الى حين؛ عن الكلام المباح.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية